اخبار فنية

وداع شعبي ورسمي مهيب لشادية دلوعة السينما المصرية

23
30-11-2017
11:57 AM
imgTopic

وداع شعبي ورسمي مهيب لشادية دلوعة السينما المصرية

 

الجريدة- ودع الآلاف من محبي الفنانة شادية جثمانها يوم الإثنين 29 نوفمبر 2017 إلى مثواه الأخير في مقابر البساتين، بمدافن أسرتها، بناء على وصيتها، بينما خرج جثمانها من المسجد ملفوفا بعلم مصر، وسط التفاف المئات من محبيها حول الجثمان، وبعضهم حملوا صورتها مصحوبة بعبارات الوداع، وسط حالة من الحزن سيطرت على جميع الحضور.

وخرجت الجنازة من مسجد السيدة نفيسة، وهو المسجد الذي كانت تتردد عليه باستمرار، وأوصت بأن يخرج جثمانها منه، في حين أكد الأطباء أن سبب الوفاة مشاكل في القلب والمخ، علماً أنها واجهت مشاكل صحية جعلتها ترقد في المستشفى مدة شهر تقريبا قبل وفاتها بغرفة العناية الفائقة.

وشارك في الجنازة عدد كبير من الفنانين، وحضر ايضا وزير الثقافة حلمي النمنم، الذي كان المسؤول الرسمي الوحيد، وحضر عدد كبير من الفنانين، منهم ياسمين الخيام، ودلال عبدالعزيز، وشيرين، وبشرى، وشهيرة، وماجدة زكي، ويسرا، ولبلبة، وسمير صبري، ونقيب الممثلين أشرف زكي.

وشهدت الجنازة إجراءات أمنية مشددة، لتجنب حدوث أي فوضى، حيث وصل الجثمان إلى المسجد مبكرا قبل الصلاة، بينما انهارت الفنانة ياسمين الخيام، الصديقة المقربة لشادية، بالبكاء، وحرصت على مرافقة الجثمان إلى مثواه الأخير في المقابر، وردد المشيعون عبارات "لا إله إلا الله الحاجة فاطمة حبيبة الله".

ولم يستطع غالبية النجوم الحديث عن الفنانة الراحلة، حيث انخرطوا في البكاء مع وصول الجثمان إلى المسجد، خصوصا يسرا التي ربطتها بشادية علاقة صداقة قوية على مدار أكثر من 3 عقود، وظهرت في الجنازة وهي ترتدي إسدالا، وأخفت وجهها عن كاميرات المصورين، وكذلك بشرى التي وقفت بعيدا تتابع الجنازة دون أن تتحدث مع أحد.

شادية ليست مجرَّد مطربة فحسب مرَّت على شريط السينما، فلمعت موهبتها، ونجحت في أن تحفر مكانتها على الساحة وسط عمالقة سبقوها وآخرين لحقوا بها، بل قدمت أدوارا في السينما والمسرح كانت علامات خالدة في ذاكرة المشاهد العربي.

شادية التي غيَّبها الموت أخيراً، بعد صراع طويل مع المرض، وبعد سنوات من الاعتزال والابتعاد، هي "قطر الندى وعش حبنا"، هي "النيل في أحضان الشجر"، و"المواويل في ليالي القمر"، هي أكثر من عبَّر بصدق عن أحلامنا، وانكساراتنا، حكت لنا عن "الأمل في عيون الولاد"، عن "السُمر الشداد"، عن "صبايا البلد"، صوتها كان "أقوى من الزمان"، وكانت "دايما حبيبة من بلدك تفرحلك في فرحك وتقاسمك في جرحك والهم تشيله عنك".

باختصار، أغنياتها تراثنا الحقيقي والصادق لأفراحنا وأوجاعنا، هي "قصة حبنا"، والمعنى الحقيقي للحب والعشق، شكَّلت بصوتها طعم أيامنا، وداعبت أحلامنا، واحتوت لحظات جنوننا، وحوَّلتها لأعذب الألحان، بل أسكنتنا بصوتها المألوف من الحكايا الساحرة.

أما أفلامها، فكانت وستظل تحكي عن عبقرية الموهبة، وكيف راهنت على النجاح كممثلة، بعيدا عن الغناء، الذي حفرت مكانتها على خريطته بدأب، بل نافست على قمته بإصرار، ما دفع البعض للجمع بينها وبين الأسطورة فرانك سيناترا، لتميزهما في التمثيل والغناء، كذلك اعتزالهما في قمة المجد، تاركين خلفهما تراثا فنيا تتعلم منه الأجيال.

وداع من غير فراق

شهد يوم 8 فبراير عام 1931 ميلاد فاطمة أحمد كمال شاكر، المعروفة فنيا باسم "شادية"، الخامسة في الترتيب بين أخواتها. أسرتها كانت تسكن في منطقة الحلمية الجديدة، والدها كان يعمل مهندسا زراعيا، عائلته لها جذور من محافظة الشرقية. أما أمها، فكانت من أصول تركية، وكانت فاطمة.

عشقت الغناء منذ كانت طفلة صغيرة فتنها صوت ليلى مراد حينما رأتها لأول مرة في فيلم "ليلى"، فراحت تقلدها أمام الجميع، حتى ذاع صيتها بمدرستها، وكانت نجمة الحفلات الغنائية والموسيقية، والأشهر بين رفيقاتها آنذاك.

عشقها للفن بشكل عام، وللغناء بشكل خاص، دفعها للتحايل على والدها، وإقناعه بخوض التجربة، فاستغلت وجود صديق والدها، المطرب التركي منير نورالدين، بمنزلهم، وقدَّمت أمامه أغنية أعجبته، وحاول إقناع والدها بتعليمها الغناء، لكنه رفض في البداية، ثم أذعن لإلحاحها في النهاية.

تواكب ذلك مع ظهور إعلان لشركة اتحاد الفنانين، التي كوَّنها المنتج والمخرج حلمي رفلة والمصور عبدالحليم نصر، للبحث عن وجوه جديدة. وبالفعل، تقدمت فاطمة، وحازت القبول، لتنطلق موهبتها عام 1947، من خلال فيلم "أزهار وأشواك"، ثم منحها الفنان الراحل محمد فوزي الفرصة، من خلال فيلم "العقل في إجازة"، والذي تدين فيه بالفضل للمبدع الراحل، الذي علَّمها الغناء، وعرفها مبادئ الغناء والموسيقى، من خلال اللحن الأول لها في السينما، وكانت أغنية "صباح الخير".

قدَّمت شادية خلال مسيرتها الفنية أكثر من 110 أفلام، وعددا كبيرا من المسلسلات، ومسرحية واحدة في نهاية مسيرتها هي "ريا وسكينة"، كما قدَّمت 1500 أغنية طوال حياتها، وكانت آخر أغنياتها "خد بإيدي"، التي قدمتها بحفل الليلة المحمدية، لتعتزل بعدها الفن في هدوء، قبل أن يغيِّبها الموت بعد صراع طويل مع المرض.

احتجاب وظهور "صوتي نادر"

سعت الفنانة شادية إلى الحفاظ على الصور الجميلة التي عرفها بها الجمهور في حياتها، ورغم ارتدائها الحجاب وأدائها فريضة الحج، لكنها لم تتبرأ من أعمالها الفنية.

ورغم حفاظها على خصوصية حياتها، فإنها وفي استثناءات قليلة كانت تخرج لتطل صوتياً على جمهورها، وهو ما تكرر عدة مرات في تحية منها لمكرِّميها، الذين لم ترغب في رفض تكريماتهم، وسعت إلى تحيتهم، مع تمسكها بقرار عدم الحضور لتسلم التكريمات، والاكتفاء بإنابة إما أبناء أشقائها أو صديقتها الفنانة شهيرة.

فيما ظهر صوت شادية في تكريمها من المركز الكاثوليكي، وفي منحها الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون، فيما أجرت مداخلات هاتفية محدودة إبان ثورة 25، حيث أعربت عن سعادتها بتصدر أغنيتها "يا حبيبتي يا مصر" المشهد دوما.

3 حالات زواج

يبدو أن كل ما تغنت به "قيثارة الغناء" شادية عن الحب والعشق، كان ترجمة لقصص حب أسطورية عاشتها "دلوعة السينما المصرية". ورغم أن هذه القصص لم تستمر طويلاً، تارة بسبب شهرتها التي كانت تفسد هذه القصص، وأخرى بسبب معاناتها مع حلم الأمومة، الذي لم يكتمل، رغم محاولاتها المستمرة ليكون ذلك سبباً في انفصالها عن أزواجها.

الزيجة الأولى لشادية كانت من المهندس عزيز حلمي، فيما زيجتها الثانية كانت من الفنان عماد حمدي. أما الفنان صلاح ذو الفقار، آخر أزواج شادية، فقد تعرفت عليه للمرة الأولى خلال عملهما معاً في فيلم "عيون سهرانة" عام 1957. فيما شهد فيلم "أغلى من حياتي"، الذي قدمته بعدها بـ8 سنوات، بمثابة الإعلان عن قصة حبهما، فتزوجاً عام 1967، لكن الزيجة لم تستمر سوى أقل من 3 أعوام.

تزوجت شادية من صلاح ذوالفقار مرتين، وفق ما تردد، ففي نوفمبر 1967، وبعد قصة حب دامت شهورا في فيلم "أغلى من حياتي" تزوجا وعاشا حياة سعيدة جدا، وحملت بالفعل للمرة الثالثة، ومكثت في البيت قرابة خمسة أشهر لا تتحرك، حتى يثبت حملها، لكن القدر كان له كلمته، وفقدت الجنين، وأثر هذا بشكل سيئ على نفسيتها، وبالتالي على حياتها الزوجية، فوقع الطلاق بينهما، بعد أقل من عام في أغسطس 1969.

عادت شادية بعدها بشهور للزواج مجدداً من ذوالفقار للمرة الثانية، لكن قصة حبهما انتهت عام 1973، بعد إعلانهما الانفصال النهائي، في وقت رفضت شادية الارتباط مجدداً، وتفرغت لرعاية أبناء أشقائها.

ورغم تقديمها "دويتو" فنيا مع الفنان كمال الشناوي، الذي تزوَّج شقيقتها لاحقا لفترة قصيرة، لكن أحاديث عدة تناولت قصة حب جمعت بينهما لم تكلل أيضا بالزواج، فيما بقيت شادية ترعى نجلي شقيقها الراحل طاهر؛ خالد وناهد، وتعتبرهما مثل أولادها.

الشائعات مسّت أيضا علاقتها بالكاتب الصحافي الراحل مصطفى أمين، إلا أنها حرصت على نفيها، مؤكدة أن ما يربطهما فقط، هو الصداقة، وأنه علَّمها كيف تفكر بعقلها قبل قلبها.

صوت مصر

كانت الأربعينيات هي العصر الذهبي للفيلم الغنائي الاستعراضي، والذي كانت تحتكره الفنانة ليلى مراد، إلا أن شادية، ومع إطلالتها الأولى، نجحت في أن تحفر مكانتها على الساحة، ساعدها في البداية توأمتها الفنية مع الراحل منير مراد، والذي قدَّم لها ما يقرب من 70 لحنا، إضافة إلى محمود الشريف وبليغ حمدي لاحقاً، اللذين صنعا أجواء مختلفة تنقّلت بينهما حنجرة شادية، وبالأخص "البليغ"، الذي جمعته الصداقة بها حتى آخر لحظة في عمره.

المؤكد أن صوت شادية كان يتميَّز بالتنوع، ما يفسِّر تقديمها ألوانا مختلفة من الأغنيات الصالحة لمختلف المناسبات والمواقف الحياتية، بما فيها الإنشاد الديني، البعيد كل البعد عن الدلع أو الغناء الاستعراضي الخفيف، الذي اشتهرت به، كما في أغنية "قل ادعوا الله أن يمسسك ضرّ" من ألحان كمال الطويل، من فيلم اشهدوا يا ناس (١٩٥٣) من إخراج حسن الصيفي، وهي أغنية دينية بالأساس تتضح فيها قدرتها على تغيير نهجها، حتى إن الموسيقار الكبير الراحل رياض السنباطي قال عن صوتها "إن صوت شادية من الأصوات الصالحة لغناء القصائد، لصحة مخارج ألفاظها، وتفهمها لمعاني الأبيات، وإحساسها بها".

أما الموسيقار محمد عبدالوهاب فقال عنها: "هو صوت بـ(تعريفة)، لكنها تعطيك فنا بمليون جنيه".

الشاعر الكبير مجدي نجيب، الذي كتب لها أغنيات "قولوا لعين الشمس" و"غاب القمر يا ابن عمي"، قال عنها: "عندما كنا في سنوات حرب الاستنزاف فارق صوت شادية طعم الشقاوة ودلعها الذي تميَّزت به، كانت أكثر وعيا ونضجا منا جميعا، فغنت للوطن (يا حبيبتي يا مصر)، وغيرها".

من جانبه، أكد الفنان هاني شاكر، أن الراحلة كانت وستظل قيمة مصرية كبيرة، وصوتا لا يختلف عليه أحد، جمعت بين الإحساس العالي والذوق الرفيع، واستطاعت أن تمزج بصوتها بين الأصالة والخفة والدلع.

أما المُلحن حلمي بكر، فلخص صوت شادية، بأنه المرح والبهجة، يغلب عليه الأداء والتنوع، وهو ما جعلها تنجح في تقديم العديد من الأغنيات، مضيفاً أن شهرتها الغنائية تتقاسم مع شهرتها كممثلة، واستطاعت الجمع بين الموهبتين بشكل يليق بتاريخها.

لم تكن شادية طوال مسيرتها الحافلة دلوعة الشاشة فقط، بل كانت لها دوما وقفة غنائية مع كل حدث أو مناسبة وطنية، وكل من هذه الأعمال مازالت محفورة في الذاكرة، ويتردد صداها في القلوب وعلى الألسنة بين الجمهور، مثل: أوبريت "الوطن الأكبر"، وأغنية "يا حبيبتي يا مصر"، و"ادخلوها آمنين"، "عبرنا الهزيمة"، "مصر اليوم في عيد" و"غالية يا بلدي" وغيرها.

مسيرة سينمائية حافلة

37 عاما من الفن قدَّمت خلالها الراحلة شادية مجموعة مميزة من الأعمال السينمائية وصلت إلى 115 عملا سينمائيا، تخللتها العديد من الثنائيات مع صلاح ذو الفقار وعماد حمدي وشكري سرحان، حتى كان آخر أعمالها السينمائية؛ فيلم "لا تسألني من أنا" عام 1984. وخلال مسيرتها تنقلت شادية بين مختلف الألوان، حيث قدمت الكوميديا الخفيفة والرومانسية والتراجيديا.

الأديب الراحل نجيب محفوظ، قال عنها في أحد حواراته الإذاعية حينما شاهدها في الاستديو أثناء تصوير فيلم زقاق المدق: "شادية جعلتني أشاهد حميدة على الشاشة، وكنت أشعر بكل خلجة من خلجاتها تمشي أمامي.

رغم أن شادية نجمة شباك، فإنها وافقت على المشاركة في فيلم "شباب امرأة"، وفي دور صغير بعد اتصال الفنانة تحية كاريوكا بها وطلبها المشاركة، حيث كانت تجمعهما صداقة قوية في هذا الوقت.

أما فيلم "المعجزة"، الذي جمع بين شادية وفاتن حمامة، فشاركت فيه الراحلة أيضا للصداقة التي جمعتها بفاتن حمامة، رغم أنها كانت في ذلك الوقت بقمة تألقها الفني ونجاحها السينمائي، حيث قدمت بطولات كثيرة لأفلام مهمة، ومع ذلك طلبت شادية بنفسها من المخرج حسن الإمام والمنتج حلمي رفلة أن يأتي اسمها بعد فاتن حمامة، لأنها الأحق، وكان هذا الطلب مفاجأة للجميع، حيث كانوا يتوقعون أن يحدث خلاف بين النجمتين، لكن شادية كانت أكبر من أي خلافات، بل سمحت بأن تشاركها الغناء في فيلم "موعد مع الحياة" عبر "دويتو" بينهما (الو الو)، ومع أول بروفة مع الملحن منير مراد كان الخوف يسيطر على فاتن من تجربة الغناء، ما جعل شادية تطلب من منير أن يترك لها مهمة تحفيظ فاتن وتدريبها.

في فيلم "زقاق المدق"، والذي كان يحتوي على أغنيتين، هما: "بسبوسة، نو يا جوني نو"، وبعد تسجيل الأغنيتين، رأى مخرج العمل أن الفيلم طويل، ولابد من حذف إحداهما، فاختارت شادية أن تحذف "بسبوسة"، لأنها غير مؤثرة، فيما الأغنية الأخرى كانت بداية سقوط حميدة في الخطيئة. وعندما علم عبدالوهاب بحذف أغنيته غضب، وطالب بعدم حذفها، لكن شادية صممت على الحذف، لأن الفيلم وجودته أهم عندها من أي أغنية. وبالفعل، تم حذفها دون أن تخشى غضب عبدالوهاب، بل بادرت بالاتصال به، وإبلاغه بموقفها. ورغم القطيعة الفنية بينهما، لكن الاحترام ظل بينهما قائما، وكانت دائما تقول إن عبدالوهاب هو الجامعة التي تخرج فيها الجميع.

أما الفنانة الراحلة مريم فخرالدين، فذكرت أنها لم تكن تجيد الصلاة ولا قراءة القرآن حتى وصلت إلى سن الـ 50، وحاولت جاهدة أن تتعلم الصلاة والقرآن، وساعدتها في ذلك شادية، وكانت تزورها يوميا، لتعلمها الصلاة وتقرأ معها القرآن، حتى حفظت بعض السور.