كوكتيل

النظرية الأولى للخلق فى هليوبوليس د. إيمان الجمال

848
29-05-2017
02:48 PM
imgTopic

النظرية الأولى للخلق فى هليوبوليس

د. إيمان الجمال

 

       الأسطورة تكشف عن حدث أولى قديم أسس بنية الواقع القديم ومعتقدات الأجيال السابقة وتشكل فكر الأسطورة من كائنات متفوقة تتخطى حدود البشر هي الآلهة

يقول " ت. ه . جيمز "  " وجه المصريون القدماء اهتمامهم باستمرار نحو موضوعي أصل الكون وطبيعة الآلهة التى كان لها دور فى الخلق والنشأة . ووضعت ثلاث نظريات مختلفة لتفسير الخلق تعتمد على المعتقدات التى كانت سائدة فى كل من هليوبوليس وهرموبوليس ومنف  وفى آخر الأمر تغلبت وجهة نظر هليوبوليس بعد تطعيمها بعناصر من نظريتي هرموبوليس ومنف " 1

       لقد خرج الخالق إلى الوجود من تلقاء ذاته ، وجاء ظهوره فوق أكمة من اليابسة بعد انحصار الأمواج . وأخذت أبعاداً مادية فوق حجر مرتفع يعرف باسم " بن بن " كان محل تبجيل وعبادة فى مدينة هليوبوليس على اعتبار أنه المكان الذى شهد عملية الخلق وهذا التل الذى برز بعد انحسار مياه الفيضان العالية . أما حجر : " بن بن " فهو  أشعة الشمس وقد تحجرت . هذا الإله الذى خلق ذاته هو الكائن التام بمعنى كلمة " خبرى " الذى يمثل على هيئة جعران واسمه يعنى التحول على غرار ما تفعله الحشرة عندما تندفع أمامها كرة الروث . ويقول لقد خرجت الخليقة منى الإله الخالق لقد اتحدت جنسياً مع ذاتي  وأنجبت التاسوع  " . 2

        تتلخص النظرية الأولى فى أن الكون نشأ من هيولى مائي يسمى " نون "Nun " انبثق منه الإله  " آتوم " يضاهى ربوة الخلق أو الربوة الأولى ، وفيما بعد أصبح الإله يضاهى ويساوى الإله "  رع " . وقام  " آتوم "  بقدرته بإيجاد التوأمين  " شو"  " إله  الهواء "  وتفنوت "  ربة الرطوبة ، اللذين اوجدا بدورهما الإله  " جب"  إله الأرض والربة "  نوتNut "  " ربة السماء . ونتج عن تزاوجهما "  جب "  و " نوت " الآلهة " أوزوريس"  و" إيزيس"  و" نفتيس"  " وست"  وتكون من هذه الآلهة التسعة ما سمى بالتاسوع  الإلهي ( مجمع الآلهة التسعة ) . واعتبر هذا التاسوع فيما بعد كما ورد بالنصوص كياناً إلهياً واحداً . وقد اشتق من هذا النظام النظرية الكونية التى لاقت قبولاً عاماً وتتلخص فى تكوين الكون على هيئة ثالوث يتكون من شو اله الهواء وهو اقف ويسند بيديه الجسد الممدد لربة السماء نوت بينما يرقد الابن جب عند قدميه ".

يقول النص : " أنا " نونو " أنا الواحد الأحد ، ليس كمثلى شئ .. لقد جلبت جسدي إلى الوجود بفضل قدرتي السحرية ، لقد خلقت نفسي بنفسي وشكلت نفسي حسبما كنت أتمنى حسب رغبتي " . " أنا السرمدي ، " أنا " رع " الذي خرج من ال " نونو " أنا سيد النور " . السماء حبلى برع وعندما ستلده " نوت " ترتفع الأيدي ويلتف من حوله الأتباع .. رب الأفق " رع: أنه يبزغ خارج ال " نونو " إن تاسوعه يتحرق من حوله ، وقدرته تخيف الآلهة التي أتت من بعده إلى الوجود . إن ملايين " كا " ءاته " هى فى فمه فهو السحر ، ذاك الذي ولد من ذاته أنه ذالك الذي خلق الجبال وشكل السماء " .فى اليوم الأول و" آتوم " خارج ال " نونو " فإنه يجسد فى الوجود الإلهين التوأمين " شو " وتفنوت " وهما أول زوجين مخلوقين وقد شكلهما بلعابه : " لقد تفلت " آتوم " من فمه ، باسمك هذا ، الذى هو " شو" ، يا " آتوم " .. لقد تفلت  " شو " و " نفثت " تفنوت " ، " تفالك ولعابك ، أي  " شو "  و" تفنوت " .

    يقول " آتوم " : " تفنوت تلك التي هى الحياة ، هى ابنتي ، إنها فى صحبة أخيها " شو" الذى يدعى أيضاً ذلك الذى هو الحياة . وهى تدعى أيضاً ماعت " إنني أحيا مع فرخي ،

 أنى وسطهما ، أحدهما خلفي والآخر أمامي ، لقد نهضت فوقهما ، بينما كانت سواعدهما تطوقني ".     3 

 وحيث أن شو وتفنوت أول زوجين فى العالم فقد أنجبا " جب "  أله الأرض و" نوت"  إله السماء . وقد تزوجا بعضهما سراً دون إذن من الإله " رع " ولما علم كبير الآلهة بذلك أرسل " شو " إله الهواء الذى أبعدهما عن بعض عنوة ومنذ ذلك الوقت والإله " شو " يطأ بقدميه " جب "ويرفع بذراعية القويتين السماء " نوت ".

       ولادة التاسوع تواصلت بعدها عملية الخلق جنباً إلى جنب مع خلق البشرية وبولادة التاسوع ولد أوزوريس وبتزاوج التاسوع أنجبا عدد كبير من البشر وكانت البداية لأسطورة إيزيس وأوزوريس وجعل أوزوريس سيد الكون بالعالم الآخر وهذه أبسط الصيغ التي صاغها كهنة هليوبوليس لتناسب نظامهم اللاهوتي فأسطورة الخلق عندهم كانت عملاً جاداً فلسفياً فقد كان تحدياً لقدرتهم على تصور الكون وفهمه  ، ومن ثم استعانوا بالرموز الأسطورية للتعبير عن هذا الفكر . ونستطيع أن نستنتج تلك الأساطير من النصوص والصور الممثلة فى البرديات والتوابيت وكتب العالم الآخر التي تركها لنا المصري القديم . وبذلك يمكننا معرفة كيف خرج العالم إلى الوجود من مغزى هذا الإرث الفكري وعلى الرغم من ذلك فإن مصر القديمة لم تعرف أسطورة رسمية أجمع عليها الكهنة لتفسير بدء الخليقة ، وربما يرجع ذلك لإحساس المصري القديم أن خلق العالم أمر غامض ومعقد فنسج العديد من قصص الخلق ، بهليوبوليس وهرمو بوليس ومنف

المحيط الأزلي:

      " زورق الشمس الإله نون يخرج من المحيط الأزلي ويرفع زورق الشمس الذى يرى فيه الجعران وهو يحمل  شمس الصباح وعلى الجانبين تظهر إيزيس ونفتيس وفى الأعلى تظهر آلهة السماء نوت وهى تستقبل الإله رع وتقف الآلهة نوت على رأس الإله أوزوريس الذى يتخذ جسمه شكل دائرة تامة تحيط بالعالم السفلى " دوات" .

         يقول " رندل كلارك " : من بين الصعوبات التى نصادفها عند تفسير الرمز الكونية تصوير الرمز الذى له ثلاثة أبعاد فى الحقيقة ببعدين فحسب  .  نرى فى هذه اللوحة " نون " يخرج بنصفه العلوي من المياه حاملاً الشمس فى زورق  فوق رأسه .

بينما يدفع الجعران الشمس ، مما يعنى أنها الشمس المشرقة ، وهو ما يرمز إليه الجعران والذراعان الممتدتان على حد سواء ، وتعلوها شخصيتان مقلوبتان ، أكبرهما تمثل أوزوريس وهو محيط بالعالم السفلى ، وينحني أوزوريس فى دائرة تلمس قدماه رأسه فيجعل من نفسه إطاراً يحيط بالأرض التى تقع أسفل عالمنا ، أو لو شئنا فهو النهر السماوي . وهى طريقة متكلفة بعض التكلف فى التعبير عن سلطانه على ارض الليلة السابقة ، حيث استعدت الشمس للقيام بمهمتها فى النهار التالي ، وعليه تستقر نوت " السماء " التى تتناول الشمس بذراعيها ويقول النص : " يستريح الإله فى قارب الصباح والآلهة التى تحيطه "  . وتحمل إيزيس ونفتيس الجعران يصاحبهما " جب " وأربعة من الأرواح التى لها شأن بالخليقة وهذا الشكل يمثل المنظر الختامي لكتاب البوابات فى الدولة الحديثة  ".

 

المراجع

 

1 - ت . ھ . جيمز : كنوز الفراعنة  ، ؃ 200  .

 

2-     Nicolas Grimal: Histoire de Legypote  Ancienne, depot le gal November, 1988, p. 54

3-     كلير لالويت :  نصوص مقدسة ونصوص دنيوية من مصر القديمة ، المجلد الثاني ، الأساطير والقصص والشعر ، ترجمة ماهر جويجاتى ، اليونسكو 1987 ،  ؃ 30 – 31  .