كوكتيل

المذهب الشمسي والمذهب الأوزيري د. ايمان الجمال

418
21-09-2017
05:58 PM
imgTopic

المذهب الشمسي والمذهب الأوزيري

د. ايمان الجمال

     لعب الغموض ، في الحياة الآخرة ، عند المصريين القدماء دوراً هاماً ويبدوا أنه كان هناك مفهومان مميزان عن حياة الآخرة عندهم ، هما: مفهوم المذهب الشمسي ومفهوم المذهب الأوزيري، وقد شاب هذين المفهومين، بمرور الزمان بعض الغموض.

    المتبعون للمذهب الشمسي كانوا يعتقدون أن أرواح الموتى تمر في القسم الأول من الليل فيرتل المفضلون منهم ، الصيغ السحرية الملائمة ،وحين يحل المساء وينزل إله الشمس خلف التلال الغربية كان يدخل إلي بوابة العالم السفلي. ولقد أبحر قاربه حتى الآن عبر النيل السماوي أما الآن فالنهر يجري في جوف الأرض خلال أثنى عشر كهفاً مظلماً تقابل ساعات الليل الاثنى عشرة ولأوزوريس السيادة في هذا الإقليم فهو يحكم الموتى ، بل أن إله الشمس نفسه يعتبر من بين الأموات ذلك لأنه في هذا الجانب من رحلته لأنه يدعى (رع) بعد بل يدعى (يوف رع) التي تعني (جثة رع) وكل قسم من (الدوات) أو العالم السفلي تحميه بوابه تحرسها أفاعي مفترسة وتعتمد أرواح المرتحلين المبحرين مع إله الشمس علي قومه في حمايتهم وفي اختراقهم إياها سالمين، وبين القسمين الخامس والسادس من الدوات تقع قاعة المحاكمة لأوزوريس وهنا يقرر مصير الأرواح، وحين يشق قارب (أيوف رع) طريقه ، يشاهد الموتى المباركون والأشرار المعذبون فيفرح الأخيار لفترة قصيرة بالضوء الذي أتى به إله الشمس إلي عالمهم المظلم ،أما آخر محنه يمر بها قارب الشمس فهي الثعبان المسمى "عابب" الذي يحاول ابتلاع الإله وحاشيته ولكنه سحر "أيوف رع" بالغ إلي حد القوة مما يرد الوحش مهزوماً علي الدوام، وعلي ذلك فإن إله الشمس يندفع في كل نهاية فوق الجبال الشرقية بحيث يبدأ يوم جديد.

    " أما مفهوم اليوم الآخر في المذهب الأوزيري فقد صادف هوى أكثر كما صادف دوماً، لدي عقل المصري القديم، ولقد لعب السحر أيضاً دوراً في هذا المجال فنجد منذ أوائل الأسرة الثامنة عشرة ، أن المصري كان يضع مع المتوفى بردية تحتوي علي عدد عظيم من التعاويذ والصيغ الدينية وكان الغرض منها تسهيل الطريق للمتوفى حتى يصل لجنة أوزوريس".

    "ويلاحظ أن مجال أوزوريس كان في العالم السفلي ، وأن جنته كان موقعها في الغرب وعند وصول الروح إلي مملكة أوزوريس فلا يعني هذا انتهاء الرحلة ، فقد كان علي هذا الروح ، قبل أن يشارك السعداء الآخرين الذين سبقوه إلي الجنة، أن يمر بامتحان قاسي أمام إله الآخرة أوزوريس، ونعني بذلك أنه كان لابد أن يحاكم أمام محكمة العدل في الآخرة عن كل أعماله في عالم الدنيا".

 

 

المذهب الشمسي والسماء:

     "السماء كان لها دائماً التأثير العميق علي عقول البشر وأن ذلك الشعور بوجود سر خفي في السماء ذات القبة الزرقاء المكونة أرضها من السحب قد ترك أثرة بشكل ما في الآداب القومية، من العصر الذي وجدت فيه تلك الصور التي نشاهدها في متون الأهرام، الذي تبع هذه الاعتقاد بوجود مملكة فيها نعيم مقيم مقرها السماوات.

     ويقول "  جيمس هنرى برستد" تأتي أمامنا قصة انتقال الملك إلي السماء مراراً وتكرارا في صور مقنعة وتأكيد ملح، مما يجعلنا نعتقد أن المقصود من ذلك هو أن تصير كلمات تلك العبادات ذات قوة وسلطان نافذين، وتعرض أمامنا في كل حين حياة الملك في السماء مختصرة في فقرة واحدة تشتمل علي تلميحات قليلة عاجلة كل منها يشبه شعاع الشمس الذي يبدو لحظة علي مرتفعات منظر طبيعي علي مدى البصر.

      وخيال الكهنة لم يكن كافياً في نظرهم مساواة الفرعون برع واتحادهما، بل نرى الفرعون المنتقل إلي السماء يصور بصورة مشعة شاسعة الأرجاء تفوق أهمية إله الشمس في الظلمة الأزلية.

     ويجتاز الملك المتوفى السماء في شكل نار ملتهبة على أثر صعود الملك "وناس" علي ذراع أشعة الشمس كذلك نرى "الملك يحتل مكانة سامية واصلة بين الأرض والسماء هذه ذراعه اليمنى تحمل السماء في رضا وهذه ذراعه اليسرى تحمل الأرض في سرور علي أن حلول الملك في نفس جسم "رع" وإتحادهما في نفس واحدة يشبه امتزاجه بكل الآلهة كمجموعة.

    والإقليم السماوي الذي كان يمكث فيه المتوفى هو الذي يمده بكل حاجاته فكان الملك بصفته ابن "رع" ومولوداً من آلهة السماء يمثل وهو يرضع منها أو من آلهة أخرى لها علاقة "برع" وبخاصة الآلهتان المتقادمتين لمملكتي الجنوب والشمال في عصر ما قبل التاريخ .

    "وأخيراً كان من أهم المصادر العدة التي يستمد منها المتوفى قوته في مملكة "رع" إن لم يكن أهمها كلها "شجرة الحياة" الواقعة في الجزيرة السرية وسط الحقول والقربان" وهي التي كان الملك يبحث عنها وبصحبته نجم الصباح وهو صقراً وهو إله شمسي أو من الممكن إضافة تفاصيل عدة لهذه الصور التي تمثل الآخرة السماوية ، ولكن الصورة الإجمالية تدل في أقل مظاهرها علي العناصر الهامة للمعتقدات التي كان يعتنقها قدماء المصريين عن الآخرة الشمسية في عصر الدولة القديمة".

    " إن رأي القوم في أشعة الشمس سلماً إليها هو تلك الأشعة المماثلة المصوبة نحو الأرض بين بعض فتحات في السماء، وهذا السلم المشع أدلى من السماء لكي يصور عليه الملك.

    وكان منظر صعود الملك يدعو إلي إعجاب الإله، ولذلك يقولون، "ما أجملها من رؤية وما ألذها من مشاهدة عندما يصعد هذا الإله (يقصدون الملك) إلي السماء إذ يحمل هيبته على رأسه،وتعاويذه السحرية موضوعة أمامه. ثم تدعي الناس والآلهة معاً بواسطة تعاويذ قوية التأثير ليرفعوا الملك.

    "أيها الرجال وأيها الآلهة ضعوا أذرعكم تحت الملك "بيبي"! أرفعوه، أصعدوا به إلي السماء كذراعي "شو" (الجو" اللتين وضعتا تحت السماء، وهو (آه، شو) يرفعها، إلي السماء! إلي السماء! إلي الكرسي العظيم بين الآلهة".

     غير أنه كان لا يزال محتملاً أن أبواب المملكة السماوية قد لا تفتح للقادم العنيد ومن أجل ذلك نجد تأكيد مكرراً بأن أبواب السماء المزدوجة مفتوحة أمام فرعون: أن أبواب الأفق المزدوجة مفتوحة ومزاليجها مزاحه".وتقابل هذا النداء دائماً في متون الأهرام.

      وكان يعترض ذلك القادم الملكي مخاوف احتمال عداوة الآلهة عليه أينما ولي وجهة وهو ينظر في عرض البحر الشرقي ، حيث كانت تزدحم بمخيلته آلاف الأخطار والمعارضات التي يكون من شأنها تكدير صفو تلك الصورة الجميلة التي كان يتخيلها في نعيم الحياة الأخروية، كما نجد في الشجاعة الجريئة التي يظهرها الملك مسحة قصصية، فإن الملك ، وقد صار وحيداً في السماء، ينهض فجأة في شكل مارد هائل مدعياً السيادة علي الآلهة أنفسهم، وبمواجهته المملكة السماوية يخاطب إله الشمس هكذا "إني أعرف اسمك، إني لست جاهلاً اسمك، فاسمك هو "غير المحدود" ، واسم والدك هو "مالك العظمة" واسم أمك "الرضي" وهي التي تحملك في كل صباح وستمنع ولادة "غير المحدود" في الأفق إذا منعت هذا الملك "بيبي" من المجيء إلي المكان الذي أمنت فيه". فكان الملك باستعماله قوة السحر بتلك الكيفية يجعل نفسه ملكاً علي العالم ويهدد بوقف شروق "ولادة" الشمس نفسها إذا حجز هو عند الباب العظيم لمملكة إله الشمس."

    " ومن الواضح جداً أن أوزير كان في نظر أتباع المذهب الشمسي في زمن ما يمثل مملكة الموت وسلطانها، وهي المملكة التي لم يكن أتباع "رع" ممن يحشرون إليها فطبقاً لهذه الفكرة كان يخاف أن تدخل طائفة "أوزير" إلي الهرم بجمعها لقصد سيء فكان من اللازم إذن الأخذ بالمحافظة علي الهرم بصفته الرمز العظيم للشمس، خوفاً من حدوث عادية عن "أوزير" أو من "حور" الأوزيري أو الآلهة الأخرى الذين هم من عصابة "أوزير".

     ولقد كان من المحتم في تلك الآونة الشروع في إيجاد بعض التوفيق بين هذه المعتقدات الشمسية وبين تلك المعتقدات الأوزورية. وحينا تتعقب سير هذا التوفيق بين المذهب، ندرك كيف أن هذا السبيل قد أدي إلي فوز أوزير في النهاية.