فنون تشكيلية - كوكتيل

متون وكتب العالم الآخر د . ايمان الجمال

25
03-02-2018
01:01 PM
imgTopic

متون وكتب العالم الآخر  

 د . ايمان الجمال 

    أقدم مجموعة معروفة من النصوص الدينية، منقوشة علي جدران الغرف الداخلية للأهرام الملكية للأسرتين الخامسة والسادسة، ومنها نصوص بالغة القدم تعود إلي عصر ما قبل التاريخ إلي جانب نصوص أخرى أقرب عهداً، وتحتوي النصوص فيما يبدو علي أجزاء من الطقوس و الأساطير التي اعتبرت نافعة للملك الميت، بالإضافة إلي ما يشبه الأوامر السحرية لصيد الشر وحماية الملك.... وتتألف من حوالي سبعمائة ورد وقد نشأت في مناطق مختلفة في مصر، وقد يشتمل الورد الواحد علي موضوعات غير متجانسة، وذلك لأن الكهنة كانوا يرتلون الورد من الذاكرة فكانوا يجمعون بين الأبيات والعبارات التي تجزأت في سهولة ويسر علي ألسنتهم، ولم يكن من المهم أن تكون هذه الأبيات متجانسة وتدور الأوراد حول الملك المتوفى الذي تعتني به الآلهة بعد موته .

     في ظل الدولة القديمة، ولأول مرة، تظهر نصوص تقدم لنا عرضاً تفصيلياً لمعتقدات المصريين حول مصير الأموات، ومن الأهمية بمكانه أن نقرر أن هذه النصوص المدونة في المقابر الملكية، لا تخص سوى الملك.

   وبالفعل فإن متون الأهرام هي مجموعة تعاويذ سحرية وترانيم وابتهالات لأن هدفها الأساسي مساعدة الملك المتوفى علي الوصول إلي أماكن حياته الجديدة وبعض هذه التعويضات تعويذات قرابين كانت تتلى بلا شك أثناء مراسم الدفن كما يشير بعضها الآخر إلي بعض الشعائر.

    وبعد الوفاة كان من المفروض أن يلحق الملك بمركب الشمس ليرافق  الإله رع في سيرته السماوية ويقيم إلي جوار الآلهة وأسلافه من ملوك مصر. ويصبح هو نفسه إلهاً بكل معنى الكلمة .

     إن هذه المتون، إذا كانت نصوصاً متطورة جداً، تعود بالتأكيد إلي عصر سابق علي الدولة القديمة إلي حد كبير، وفي وسعنا أن نربط بين المراكب  التي عثر عليها علي مقربة من بعض الأهرام وبين الاعتقاد في رحلة الملك السماوية علي متن مركب "رع"، لقد كانت متون الأهرام وقفاً علي الملك دون غيرة، فهو الكاهن الأعظم، وكان من الناحية النظرية الوسيط الأوحد بين عالم البشر وعالم الآلهة ولن نجد أي نص من هذا القبيل في مصاطب الأشراف التي كانت من جانبها مزخرفة بصورة منقوشة، تصور المتوفى محاطاً بأفراد عائلته وتخدمه وغالباً ما كانت هناك نصوص تصاحب الصور أو مهمتها الأساسية تحديد أعداد القرابين وذكر ألقاب المتوفى وحياته الوظيفية بل والتعليق علي بعض المشاهد المصورة" .

    "ويشير "جيمس برتشارد" إلي أن نصوص الهرم تعمل علي خلود الفرعون، والحيلة والتي استخدمت هي إثبات شخصيته مع الآلهة إذ لم يصبح موته ذا أهمية عملية، وعلي وجه الخصوص علي أوزوريس وابنه حورس" .

  " تمدنا متون الأهرام بأقدم مصدر يوصل إلينا عن التفكير البشري عند الأقدمين. وكان الظن السائد أن كل الأهرام كانت عارية من النقوش إلي أن اقتحم العمال المصريون الذين كانوا يعملون في الحفائر تحت إشراف "ماريت" في سنة 1880م ـ

   وهرم "بيبي الأول" ثم دخلوا فيما بعد هرم الملك "مرن رع"  فوجدوا جدران أروقة هذين الهرمين وممراتهما وحجراتهما مغطاة بآلاف الأسطر من النقوش الهيروغليفية، وهذه النقوش هي التي يطلق عليها الآن اسم "متون الأهرام"

    ومحتويات هذه المتون تشتمل علي "فصل أولئك الذين يصعدون""والفصل الخاص بأولئك الذين يرفعون أنفسهم" وذلك يدل علي أن هذين الفصلين كانا مستعملين قديماً في مناسبات لحوادث مختلفة في أساطير ذلك العهد، وبذلك يعتبر هذان الفصلان أقدم عهداً من متون الأهرام التي بأيدينا.

    ولقد كانت الغاية المطلوبة من متون الأهرام علي وجه عام هي ضمان السعادة للملك في الحياة الآخرة. ولكن علي الرغم من أن هذه المتون العتيقة بخاصة بمناظر الحياة الدنيوية التي نقلت عنها فإنها في مجموعها تصور أرضاً غير معروفة لنا، فإنه عندما يحاول الإنسان ارتياد مجاهل هذه الأرض يحس كأنه يردد غابة فطرية شاسعة الأرجاء.

    ونجد أن أبرز شيء في هذه المتون الاحتجاج الملح بل الاحتجاج الحماسي ضد الموت

 وهكذا نجد تجنب ذكر الموت باستمرار في هذه المتون، وكثيراً ما تحتم صيغة نص الموت بالتأكيد الآتي: "إنك تعيش، إنك تعيش، ارفع نفسك، إنك لن تموت فقم ارفع نفسك" ويمكن القول بأن متون الأهرام تحتوي بوجه خاص علي ستة موضوعات: شعائر جنائزية، شعائر خاصة بالقرب المأتميه عند القبور وتعاويذ سحرية ، وشعائر قديمة خاصة بالعبادة،  وأناشيد دينية قديمة وأجزاء من أساطير قديمة،ـ وصلوات وتضرعات لفائدة الملك المتوفى.

متون الأهرام والسماء 

     "الناس يفنون وأسماؤهم تمحى، فأمسك أنت بذراع الملك تيتى"  وخد أنت الملك "تيتى" إلي السماء حتى لا يموت علي الأرض بين الناس".

    "لم يكن في مقدور متون الأهرام زعزعة العقيدة السائدة في وجود الحياة في القبور، فإنها لم تعطى هذا الرأي اهتماماً كبيراً، بل وجهت جميع همها تقريباً إلي حياة في نعيم تقع في مملكة          بعيدة، ومما يستحق الذكر والاهتمام أن تلك المملكة البعيدة لا يراد بها إلا "السماء"، وأن متون الأهرام لا تعرف شيئاً تقريبا عن الحياة الأخروية المظلمة التي توجد في العالم السفلي ولذلك فإن عالم الأموات عندهم لا يراد به إلا "العالم السماوي".

    " وقد اختلط في تلك الآخرة السماوية المذكورة في متون الأهرام مذهبان قديماً: أولهما يتصور المتوفى في صورة نجم، والثاني يتصور المتوفى حالاً في إله الشمس .

و هذين المذهبين اللذين يمكن تسميتهما بالآخرة النجومية والآخرة الشمسية علي التوالي كانا في وقت ما مستقلين، ثم دخل كل منهما في شكل "آخرة سماوية" هي التي نجدها في متون الأهرام.

    ومع أن المذهبين المذكورين النجمي والشمسي يوجدان معاً جنباً لجنب في متون الأهرام، فإننا نجد أن المذهب الشمسي هو السائد فيها بدرجة عظيمة، حتى يصح لنا بوجه عام أن نصف متون الأهرام بأنها شمسية الأصل، ومن المحتمل أن الاعتقاد بالمصير الشمسي قد نشأ في عقيدة قدماء المصريين عن طريق شروق الشمس ثابتة كل يوم بعد غروبها ، فكان الموت إنما يحدث علي الأرض، أما الحياة فتكتسب في السماء فقط، وهو المكان الأعلى الذي يرفع إليه الملك فوق المكان المحتوم الذي يصير إليه عامة البشر.

    وتلك الفكرة القائلة بأن الحياة توجد في السماء هي الرأي السائد، هي أقدم بكثير من المذهب الأوزيري في متون الأهرام، وقد بلغ هذا الرأي درجة من القوة جعلت نفس أوزير يمنح بضرورة الحال آخرة سماوية شمسية ".

    " وبانتقال فرعون إلي تلك المملكة التي مقرها في السماء كان يدعي للقيام بعملية تطهير فرضتها وأكدتها المتون حتى أن الآلهة كانت تقوم بخدمة الملك في وقت إنجاز ذلك الاستحمام.

    نصوص الاهرم كانت تظهر أن المصريين كانوا ينظرون للعناصر الجوهرية من نظامهم المادي والروحي علي أنها عناصر متغيرة يمكن تعديلها من حيث الكم أو الوظيفة ففي عصر الأسرات المبكر اعتقدوا أن الحياة بعد الموت لا تزيد من أن تكون استمراراً لحياتهم على الأرض ووضعهم للطعام في مقابرهم يؤكد أنهم كانوا مقتنعين بهذا ولكنهم عرفوا بعد ذلك أن جسد الإنسان في حياته الجديدة يمكن ألا يكون مماثلاً لهذا الذي امتلكه فوق الأرض رغم أنهما قد يكونا متشابهين من حيث الشكل وبالتالي افترضوا أن يوجد لكل إنسان جسد آخر ذلك الذي يراه المصري في أسلافه فأطلقوا عليه "كا" "KA" ولأن الكا تولد مع الإنسان وتبقى معه وتستمر بعد الموت لا تترك الجسد في المقبرة أبداً ما داموا يحافظون علي وجودها عن طريق القرابين والأدعية وهكذا نرى أن البشر والملوك كانوا يتواجدون في السماء بعد موت أجسادهم وكانوا يمتلكون ظلالاً لها ".

   " ونجد أن الميت في متون الأهرام يطير في شكل طائر إلي السماء فتمد له آلهة السماء يديها وهي تلتقي بضروب مختلفة من الآلهة والنجوم أثناء سيره ويأخذه "رع" في سفينته، وكان الميت يصور وهو يتصيد النجوم في السماء، وقد صور المصري جنة الأبرار كأنها مجموعة من الجزر تحيط بها المياه المختلفة وتسمى إحدى الجزر (حقل يارو) وفيها يزدهر الزرع و بها نهر وفي الشرق من السماء شجرة الجميز التي تجلس عليها الآلهة ، كما أن المصري صور السماء وهي تزود الميت بطعام طاهر وتعامله كابنها وهكذا يعيش ويعود من جديد طفلاً، وكانت الطيور المقدسة مثل (صقر حورس) و (أبي منجل رمز الإله تحوت) يقومان بنقل الأبرار إلي الحقول وكذلك أبناء حورس الذين ينقلون الأبرار عن طريق قارب، وكان يقود القارب (تونى) وهو يسمى (بالملتف إلي ورائه) والمستدير بوجهه، وهو الذي يعبر بالآلهة، وقد ظهر هذا في ممرات هرم أوناس في سقارة ".

   "وظلت تستخدم علي جدران جميع أهرامات السلالة السادسة بعد ذلك وقد أخذ العديد من العبارات السحرية الواردة في كتابات الأهرام لتظهر في نصوص توابيت المملكة الوسطى ثم انتقلت في عهد الدولة الحديثة إلي ما يعرف عادة بكتاب الأموات.

   أصبحت نصوص الأهرام تنقش علي الجدران الداخلية للتوابيت الخشبية و نشأت بذلك ما يسمى بـ (نصوص التوابيت Coffin Texts)" .