فنون تشكيلية - كوكتيل

الحبّ بين معضلتين: الاختيار والقدر مادونا عسكر/ لبنان

6
14-02-2018
02:44 PM
imgTopic

 

الحبّ بين معضلتين: الاختيار والقدر


مادونا عسكر/ لبنان


وحده النّضج العاطفيّ والفكريّ والرّوحيّ يحدّد ماهيّة الحبّ الحقيقيّ. فالإنسان يمرّ بمراحل عاطفيّة قد يظنّها حبّاً إلّا أنّه في غمر النّضج يكتشف أنّ ما مرّ به كان مجرّد انفعالات أو حاجات عاطفيّة. ولكلّ مرحلة من هذه المراحل أهمّيّة في تكوين الشّخصيّة العشقيّة، والتئام الفكر والنّفس والرّوح شرط أن يتأمّل الإنسان ذاته ويتبيّن ماهيّة الحبّ وجوهره وقيمته المقدّسة. فالحبّ يقدّس الإنسان ويفجّر الطّاقة العشقيّة الّتي خلق بها. ليس المقصود بالتّقديس المعنى الدّينيّ، بل مراد القول أنّ الحبّ يبلّغ الإنسان كمال إنسانيّته إذ إنّه ينقله من مشروع إنسان إلى إنسان.     
الحبّ الحقيقيّ النّاضج يكشف للإنسان أعماقه الدّفينة. وكأنّي به أمام مرآة تظهر له تفاصيل الجمال الّذي تاه عنه. إن لم يُدخل الحبّ الإنسان في دائرة الجمال الآسرة فلا فائدة منه. وذلك لأنّه سيتحوّل إلى صراع بين التّناقضات العاطفيّة. وإن لم يُعزّز الحبّ السّلام في قلب المحبّين فلن يكون سوى حالة انفعاليّة نتجت عن حاجة نفسيّة عاطفيّة، أو هروبٍ من واقع مؤلم إلى واقع أفضل. فإذا ما كان الحبّ مصدر قلق واضطراب أتعس الإنسان وسلبه اتّزانه. الحبّ فرح وحياة، رغم كلّ الألم الّذي يحتمله المحبّان، ورغم كلّ الشّوق والرّغبة في اللّقاء. إنّه الحبّ من أجل الحبّ بعيداً عن أسباب أو غايات محدّدة. ذلك الحبّ الّذي قد يعتبره البعض مثاليّة، إلّا أنّ مفهوم المثاليّة يختلف من شخص لآخر. ولكلٍّ تجربته الخاصّة واختباره الخاص. وبالرّغم من أنّ نادرين من عاشوا الحبّ الحقيقيّ إلّا أنّ هذا لا يعني أنّه غير موجود، أو خياليّ أو مجرّد أحلام مرجوّة. فطالما أنّ للإنسان طاقة على الحبّ وقدرة على وهب الذّات حتّى النّهاية، فذلك لأنّه مجبول بالحبّ، سبب وجوده وغايته.       
الحبّ خلاصة الحياة، فمتى أحبّ النّاسُ تقلّصت عنهم كلّ ظلال الشّناعة فرأوا كلّ ما فيهم جميلاً، ومتى رأى النّاس كلّ ما فيهم جميلًا عرفوا الحبّ، ومتى عرفوا الحبّ عرفوا الحياة”. (ميخائيل نعيمة). الحبّ هو الحياة، وما دون ذلك بحث عن الحب وهواجس مكبوتة، وغرق في دائرة الموت. الحبّ الحقيقيّ، الطّريق إلى الحياة، بل هو بلوغ الحياة وتلمّس الحقيقة والولوج فيها واكتشافها باستمرار. ولا نسعى إليه بقدر ما يسعى هو إلينا. ولا نبحث عنه لأنّه يولد في لحظة لا نعرفها ويقبل إلينا كالسّارق ليلاً. إنّه اللّحظة المحرّرة من القيود الفكريّة والنّفسيّة والرّوحيّة. فراغ كيانيّ إراديّ ليكون الامتلاء الأكمل.