فكر وثقافة

قراءة في رواية 'ابتسامة عند قدم السلم' للروائي الأمريكي 'هنري ميللر' بقلم: هــند جــودة-غزة

28
05-11-2017
07:53 PM
imgTopic

لا أحد يبتسم عند قدم السلم يا هنري ميللر

قراءة في رواية "ابتسامة عند قدم السلم"

 للروائي الأمريكي "هنري ميللر"

بقلم: هــند جــودة-غزة

 

في صفوف الوجوه التي ترتفع بعضها فوق بعض، تغمرها دوائر من الظل والضوء، جلست أشاهد" أوغوست" المهرج صاحب الابتسامة الثابتة الواسعة الممتدة من الأذن إلى الأذن فوق وجهه الأبيض بياض الجدران الطازجة الدهن، لم يكن المهرج على طبيعته هذه الليلة، كانت حركاته هائجة غير منتظمة، كان يرفرف كطير ذبيح، كان يتخبط ناسيا أن عليه أن يضحك الناس !

لم أضحك أنا ولم يضحك الناس تلك الليلة، بل بدأ الناس من حولي يتذمرون ، يصرخون ويسخرون، ولم يكتفوا بذلك بل أخذوا يلقون كل ما يمكن أن تقع عليه أيديهم باتجاه المهرج المسكين ، والأدهى من ذلك أنهم بدأوا يقفزون فوق المسرح ليوسعوه ضربا وركلا ولا أستطيع أن أكمل البشاعة ، لقد جعلني المشهد المأساوي الذي صنعته قسوة الناس أركض هاربة وباكية.

"أوغست" المسكين فشل لليلة واحدة في إضحاك الناس فقرروا ضربه حدّ القتل!

حزنت كثيرا ، وددت لو أوقف المشهد لكنه قسري بحت ، إذ أنني أشاهده عبر رواية هنري ميللر" ابتسامة عند قدم السلم" هذا الرجل أمسك قلبي بين يديه واعتصره بهذه الرواية الموجعة للبشرية كلها، وللوجود الإنساني وللصدق الذي يعيش على المحكّ في قناعاتنا ودواخلنا، المهرج "أوغست" كان أحد المتمردين على القالب الجاهز للابتسامة اليومية و مهنته التي يضحك فيها الناس دون أن يكون حقاً سعيدا من الداخل، بل ربما كان على الأغلب مكسورا وضائعا ومشوّهاً، هذا المهرج أراد أن يثور على الزيف، اشتهى أن يكون هو، مجرد هو، فقط نفسه ولو لمرّة واحدة، أراد أن يكف عن استعراض خيبات الناس وتفاصيل واقعهم التي يعيدها أمامهم فيضحكون على أنفسهم من خلاله.

ضُرِب أوغست حدّ التشوّه والنزيف، فقرر أن يهرب مستقيلا ليصبح أبعد ما يكون عن التهريج وحفنة الأصباغ والشعر المستعار والألوان التي تخنقُ روحه كل مساء قبل وجهه.

اختلى بنفسه وأخذ يفكر في سنواته الأربعين التي مرّت ، كان يحاول إيجاد شيء واحد مختلف يبدأ من عنده  ليعيش شيئا مختلفا لكنه لم يستطيع إلا أن يعود بالذاكرة للوجوه المرمية في بقع العتمة والضوء، أصوات القهقهات، روائح الأصباغ وانفطار القلب.

ويبدو أن السيرك هو قدر "أوغست" الوحيد فعلا، فقد صادف بعد أن قام ليمشي بعد ساعات طويلة من التفكير" سيركا" جوالاً، ساقته قدماه إليه، ليداعب حصانا مربوطا حوله، أمسكت به امرأة من نساء "السيرك"، وتعرفت إليه، وأجبرته على البقاءولو كسائس خيل، وأخبرته أن الجميع يظن أن "أوغست" ميت ، وأنها متفاجئة من كونه أمامها الآن، فقبِل أن يظل ّ هناك قريبا من المكان الذي هرب مما يشبهه، وكانت ليلة، وكان القدر حقا يلاحق صاحبه، مرض مهرج السيرك الجوال، وطُلب من "أوغست" أن يقوم بدوره ولو لليلة واحدة.بعد صراع شديد مع نفسه ونقاش طويل مع مدير السيرك، قبل بان يفعلها لليلة واحدة، وفعلها وأدى عرضا جنونيا تفوّق به على ماضيه وعلى نفسه وعلى المهرج المربض" أنطوان" والذي لم يصبح عليه الصباح إلا ميتاً.

وبهذا الأمر ، وعند هذا الحدث الفارق، كان الصراع يتجدد داخل "أوغست"، أحس أنهم سيطلبون منه البقاء ليعود مجددا وحدث ذلك وهناك كان يجب أن يقرر شيئا. قرر أن يكون مهرجا ولكن في بلاد أخرى بعيدة ،هرب من جديد، وتوقف مع نفسه من جديد.

كان يريد أن يكون نفسه على نحو مطلق، دون مساحيق تجميل، دون موسيقى دون إضافات، " مرّة أخرى، أغمض عينيه كي يهبط في الظلمة ، بقي هكذا فترة طويل، يتنفس بهدوء وسلام على سرير كينونته الخاصّة، حين فتح عينيه، شاهد عالما أزيح عنه الحجاب، كان العالم الذي وجده دوما في قلبه، الجاهز دائما كي ينجلي ولكن الذي لا يبدأ بالخفقان إلا في اللحظة التي يخفق فيها المرء بانسجامٍ معه"

لقد كانت تلك لحظة الحقيقة، التي انكشفت أمام  المهرج الضال والضائع والباحث عن الحقيقة، وعن ذاته التي يحب أن يكونها، توقعت أن يموت "اوغست" منتحرا وأنا ألمس احتراقه سطرا بعد آخر، وأنا أرى غضبه، توتّره، ارتباكه، خذلانه من العالم ومن نفسه، لكن "هنري ميللر" جعله يموت بطريقة مأساوية مختلفة، تشبه حياته، وهبه موتا مبتسماً، فهو حين وصل إلى لحظة التنوير أو لحظة الصفاء الذهني تلك نال ضربة  على رأسه بهراوة شرطي ظن "أوغست" أنه ملاكه الحامي وهو يسير كمن يطير في فضاء الحديقة العامة،  ولا أحسب أن تلك الضربة هي ما قتل "أوغست" بقدر ما أشكّ انه مات لمجرّد أنه عرف، لمجرد اكتشافه السرّ الذي سيجعله سعيدا، وهنا يعمق الكاتب وجهة النظر التي تقول بأن الحياة تهبك الموت عندما تعرف، كأن المعرفة والموت وجود واحد ، معنى واحد، نهاية واحدة.

" في النهاية كانت العينان مفتوحتين، تحدّقان بصراحة لا تصدّق بالفضة النحيلة لقمرٍ أصبح مرئيا لتوّه في السماء...".

 

يقول هنري ميللر: " إن المهرج شاعر في حالة فعل، إنه في القصّة التي يمثّلها، وهي قصّة تتكرر دوما- عبادةً، إخلاصاً وصلب، صلبٌ ورديّ..."