فكر وثقافة

' شهرزاد.. وتمرد الأنثى ' لينـا كيــلاني

36
21-11-2017
07:21 PM
imgTopic

" شهرزاد.. وتمرد الأنثى "

لينـا كيــلاني

التاريخ البشري حافل بالتمرد الأنثوي، والمرأة ظلت عبر هذا التاريخ تندفع وراء تمردها على واقع هو لها، وللرجل، ولأسرتها الصغيرة أو الكبيرة، وكأن هذا التمرد هو سمة من سمات الأنوثة، والتمرد لا يعني العنف،

ولا القسوة، ولا الخروج الجارح عن المألوف بل ربما يعني الحيلة، والمكر، والدهاء، وكأن المهم هو اكتشاف ما هو جديد، أو الوصول اليه، والجديد هنا هو التجديد، فالمرأة بطبعها تميل الى هذا التجديد لأن فيه مواكبة مع طبيعتها الأنثوية التي تعرف الحمل والولادة، والربيع والخريف، والجمال والقبح أكثر مما يعرفه الرجل.‏

هل أسوق نماذج من التمرد الأنثوي؟ لا.. فهي أكثر من أن تحصى، وما شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) إلا هذا النموذج الساطع للتمرد الذي تجلى في اقتحام أكبر المخاطر، وهل هناك أخطر من أن تذهب المرأة بقدميها الى الموت مزينة بالجواهر واللآلئ، ومزركشة بثياب عرس دموي الى قاتل ملكي؟.. فعلت شهرزاد ذلك، وكانت المنتصرة.‏

ولم تكتف شهرزاد بالتمرد السلوكي فقط بل إنها تعدته الى التمرد الفكري، فقد جاءت كل حكاياتها حافلة بهذا التمرد من خلال الأحداث، والسلوك، والممارسات الاجتماعية لأبطال تلك الحكايات، كنموذج المرأة المغامرة، والأخرى الداهية، والثالثة المراوغة، كنماذج إنسانية تمردت على كل ما هو مألوف ومعروف، ونسجت عمق أحداث (ألف ليلة وليلة) في حالة من التمرد كادت تصل إلى تفرد بطلاتها، وحتى أبطال ألف ليلة لم يكونوا سوى نماذج إنسانية غير اعتيادية، فهل كان تمرد شهرزاد حالة خاصة من الإبداع؟‏

وسواء أكانت شهرزاد شخصية أسطورية، أو حقيقة واقعية فإن حكاياتها تحمل مدلولاتها عن المرأة التي تجلت أيضاً في حكايات الجدات اللائي نسجن من خيالاتهن نماذج نسائية مليئة بالإقدام، والشجاعة إلى حد التهور والمخاطرة، وإذا استعصى الأمر عليهن فهن يلجأن الى الغموض، والسحر، والخوارق كأنما كل ذلك كان تعويضاً للمرأة عن واقع لم تكن تثبت فيه إمكانياتها، وجدارتها في الحياة الاجتماعية، بل والسياسية، فهذه الحكايات بما فيها حكايات (شهرزاد) نبعت من مجتمعات مدنية تأخرت فيها المرأة عن الرجل، وانعزلت في نطاقها الضيق، وربما كان مجتمعها نسائياً بحتاً فتبادلت المرأة مع المرأة سبل المضي في هذه الطريق التي ليست من الواقع، وإنما مما تأمل به المرأة أن يكون واقعاً.‏

أما في المجتمعات الريفية، والبدائية، والبسيطة فلم يكن هناك إلا منثورات من حكايات تكون فيها المرأة عنصراً في مقاومة الطبيعة، أو الوحوش، أو الحفاظ على بيتها، وأرضها، وأولادها، الى آخر ما تسعى إلى الحفاظ عليه، والدفاع عنه.‏

فالتمرد إذن نوعان: تمرد لايتعدى حدود الحكاية والكلام، وتمرد آخر ظهرت سمته في الشجاعة والإقدام، فإذا بالمرأة تقتحم عالم الرجال لتصبح ذات شأن في الفن، أو الأدب، أو القتال، أو حتى في المناصب العليا لتصبح رئيسة، أو أميرة، أو ملكة، وهن نادرات ليس في التاريخ العربي فقط بل في التاريخ العالمي كله، وكأنهن ظواهر، أو دلالات على قدرات المرأة.‏

وندرتهن هذه لا تنفي انسحاب حالة التمرد على المرأة عموماً، ولكن الممارسة هي التي تختلف فإما هو التمرد العلني المرئي والملموس، أو أنه التمرد الداخلي الصامت والهادئ دون ضجيج، والذي يعبر عن نفسه في تفاصيل حياة المرأة الأسروية من خلال سلوكها، وتصرفاتها حتى الصغيرة جداً منها.‏

فهل كانت شهرزاد المرأة الأشهر في تاريخ الكلمة الرواية لتكون بمعنى ما الروائية الأولى عبر العصور، فتروي قصة أو جزءاً من رواية طويلة كل يوم وكأنها نبع لا ينضب من خيال روائي جامح لا يكتفي بالوقوف إلا عند حدود المحال.. أم أنها النموذج الأشهر لتمرد الأنثى التي لم ترض إلا أن تحطم جدران سجن وهمي أراد لها المجتمع أن تظل حبيسة فيه.. سؤال لن يظل معلقاً بل إن أجابته حاضرة فيما تعبر عنه المرأة اليوم في حياتها اليومية وفي آفاقها المستقبلية.‏