فكر وثقافة

ملامح وذكريات من الصين المعاصرة في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح أ.د. محمد عبد الرحمن يونس

116
25-12-2017
04:50 PM
imgTopic

 

ملامح وذكريات من الصين المعاصرة في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح

أ.د. محمد عبد الرحمن يونس

أستاذ سابق بجامعة الدراسات الأجنبية في بكين، وجامعة جين جي الوطنية بتايوان

نائب رئيس جامعة ابن رشد في هولندا للشؤون العليمة ـ التعليم العالي الإلكتروني ــــ حاليا

ـ

 

بعد وفاة الرئيس الصيني ماو تسي تونغ عام (1976م) ، استلم مقاليد السلطة الرجل القوي في الحزب الشيوعي الصيني ( دنغ شياو بينغ ) ، وبدأ يغيّر خارطة الصين السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، وعمل جادا على نشر إيديولوجيته المعرفية المعادية لسياسة ماو تسي تونغ، وكرّس جميع توجهات الدولة في الصين لأن تسير وفق نسق معرفي مغاير تماما لما كان سائدا أيام ماو ، فأعلن رغبته العميقة بالانفتاح صوب أمريكا بمختلف علاقاتها الرأسمالية, وأطلق على برنامجه السياسي اسم : (( سياسة الإصلاح والانفتاح )) ، وفي ظلّ هذه السياسة تدنّت منزلة طبقة العمال والفلاحين في السلم الاجتماعي والسياسي, وارتفعت منزلة التجار وأصحاب الأموال والرأسماليين ، والملاك الجدد , وبدأت سياسة الدولة تنحدر تدريجياً لتتشبع بمفاهيم اقتصاد السوق وعلاقات شركاته التجارية والاستثمارية , و توفي دنغ شياو بنغ في عام (  1995م  ) ، وأتى بعده الرئيس جيانغ تسه مين , وانتهج سياسة سلفه دنغ شياو بنغ, وزادت طبقة العمال والفلاحين،ـ التي كانت هي الطبقة الأولى المأمول منها أن تطوّر الصين صناعيا وحضاريا،ـ فقراً وتهميشاً واستلاباً ، وأُبعدت تدريجياً عن بؤرة الأحداث والسياسة ومقاليد الحكم؛ وقد حدّثني صديق صيني مفكّر ومعروف في الوسط العلمي الصيني، وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث حول الحبّ والزواج والسياسة في عهد ماو، وعندما سألته: هل سبق لك وأن أحببت امرأة غير زوجتك الحاليّة حبّاً رومانسياً شفيفاً وعميقاً ملأ ذاكرتك ووجدانك؟ فقال: نعم، وكان أكبر مما تتصور، إنّه أول حب في حياتي، ولكني لم أوفّق إلى الزواج بها، لأنّ طبقتها الاجتماعية كانت أعلى منزلة من طبقتي، فقد رفضني والدها، لأنه كان  من طبقة العمال ، أمّا أنا فكنت محسوباً على طبقة المثقفين التي لا ترقى منزلة إلى طبقة العمال وفق رؤية نظام ماو تسي تونغ السياسي والاجتماعي. وإذا ما قارنا هذه الحادثة بما يجري اليوم في الصين المعاصرة، وتحت ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح، فإنّ الرجل الصيني المعاصر يطمح في أن يتزّوج من طبقة الأثرياء والملاك الجدد وأصحاب الشركات التجاريّة والمقاولين ورجال الأعمال، لا من طبقة العمال والفلاحين، لأنّ كثيراً من الأثرياء الجدد يتأففون من منظر الفلاحين القادمين إلى بكين.وقد قالت لي إحدى طالباتي ، من طلاب السنة الرابعة،  التي  تنتمي إلى أسرة ثريّة يعمل الوالدان فيها في الشركات الخاصّة ، بكثير من الاستعلاء والطبقية والعجرفة ، وبينما كنّا نتجوّل في منطقة(كون جون فن) ـ : إنّ الفلاحين الكثر القادمين من الأرياف إلى بكين يسببون مشاكل كثيرة، ويسهمون في تشكيل الفوضى والزحام والتلوّث، بالإضافة إلى أنّ مناظرهم الريفية تسيء إلى الوجه الجمالي المديني والسياحي لمدينة بكين . وقال لي صديق صيني آخر، وبينما كنّا نتجولّ وعندما شاهدنا بائع أوراق اليانصيب: إنّ الحياة حظوظ ، وهنيئا لمن يحالفه الحظّ ويربح جائزة اليانصيب. وذكر أنّ عاملاً صينياً ربح قبل عامين ثلاثين مليون يواناً صينياً، وصار الآن رجلاً مهماً ومرموقاً ومن كبار رجال الأعمال، وقال بالحرف الواحد : (( ولم يكن يساوي حتى بصلة عندما كان عاملاً)). فالعامل الذي قامت على كتفه ثورة ماو تسي تونغ، غدا لا يساوي حتى بصلة في ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح. ومن خلال رأي هذا الصديق الذي يعبّر عن كثير من قناعات الصينيين المعاصرين يمكن أن نلمس مدى تدني طبقة العمال في الصين المعاصرة في التراتب الطبقي مقارنة بما كانت عليه أيام ماو تسي تونغ، ومدى النزوع الشديد لدى جماهير الصين إلى الثراء الفاحش، واختزان الأموال واستثمارها، ففي عهد ماو تسي تونغ (( كان الرجل الصيني التقليدي يخجل من أن يذكر المال في حديثه، أو يبدي اهتماماً به في ظلّ المفاهيم التقليدية. ومن يبد اهتماماً بالمال يستخفّ الناس به ويحتقرونه، أمّا الآن فقد ظهر اهتمام قوي بالكسب السريع، والتفنن في الملذّات الشخصيّة من شراب ورقص وخمور وطعام وجنس))، كما أكّد لي صديقي  البروفيسور الدكتور شريف شي سي تونغ الذي كنت أعمل معه في شعبة الدراسات العليا في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين .

وأصبح المال في المجتمع الصيني المعاصر غاية الغايات، وإلهاً وسيداً مطاعاً، وأخذ كثير من أبناء الجيل الجديد يدخلون الجامعات لا رغبة في المعرفة والتحصيل العلمي، وتوسيع آفاق العقل وقدراته، والإسهام في بناء الصين الحديثة، وعصرنتها، بل أملاً في الحصول على الوظيفة في الشركات الخاصة التي تدرّ الأموال الكثيرة . وقد حاورت طلبتي في الجامعة وسألتهم: هل تفضّلون الحصول على الوظائف الرسمية في الدولة أم على وظائف الشركات الخاصّة، والأجنبية العاملة في الصين؟ فأكدوا جميعاً أنهم يفضّلون العمل في شركات القطاع الخاص، والشركات الأجنبيّة لأنّ رواتبهم تتراوح في هذه الشركات ما بين 4500 يوان إلى       8000 يوان، في حين أنها لا تتجاوز 2500 يوان في شركات القطاع العام ومؤسساته. وحاولت جاهداً أن أقنع الطلبة المتفوّقين، ـ طلاب السنة الرابعة ـ  والذين يتقنون اللغة العربيّة إتقاناً جيداً أن يتابعوا دراساتهم العليا في الأدب العربي ليزدادوا فهما ًله، وتذوّقاً لقيمه الجماليّة،والإنسانيّة العالية، لكني عبثاً ما حاولت ـ باستثناء طالبة واحدة أبدت رغبتها الشديدة بمتابعة دراساتها العليا، لأنّها زارت كثيراً من دول الوطن العربيّ، فوالدها ثريّ يعمل في التجارة ، وهي ليست بحاجة للدخول مبكّراً في سلك الوظيفة ـ  فهؤلاء الطلاب مقتنعون تماماً كما أكّدوا لي أنّ الدراسات العليا في الأدب العربي لا جدوى منها، لأنها  لا تسهم في الكسب والثراء السريع، ولا تعطي الفرد وظيفة مرموقة توصله إلى صفوة القوم، فالحكومة الصينية لا تولي كبير الاهتمام بخريجي أقسام اللغة العربية في الجامعات والمعاهد الصينية التي تدرّس اللغة العربية. بل تسعى في جميع توجهاتها السياسية والاقتصادية والبحثية إلى كسب المال وبأقصر الطرق ، وبشتى الوسائل , ولا يهمها إن كانت هذه الوسائل في المطاف الأخير تهدف إلى إسعاد الناس أو تعاستهم، وزيادة تحميلهم ما لا يطيقون.

            وفي هذه الأيام، وفي ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح,  سعت الحكومة جادة لجمع المال من المواطنين الصينيين ومن السياح الأجانب،وذلك بفرض الضرائب، وفرض الرسوم الماليّة على زائري المناطق والحدائق السياحية في جميع أنحاء الصين،فليست هناك في الصين حديقة عامة واحدة يستطيع أن يدخلها أي زائر ـ سواء أكان صينيا أم أجنبيا ـ إلاّ بعد أن يدفع رسوما مالية لإدارة الحديقة، وهناك بعض الاستثناءات الطفيفة ، إذ تمنح بطاقات حمراء خاصة لأعضاء الحزب الشيوعي البارزين، يتمكنون بوساطتها من دخول هذه المعالم والحدائق السياحية. مع العلم أنّ رسوم الدخول إلى هذه الأماكن السياحية ليست قليلة مقارنة بمداخيل المواطنين الصينيين. فعلى سبيل المثال يبلغ رسم الدخول إلى القصر الصيفي في بكين (30) يواناً، وإلى حديقة بيهاي (20) يوانا، وإلى حديقة الحيوان (25) يواناُ، وإلى الجبل العطري( 20) يواناً، وإلى سور الصين العظيم( 45) يواناً، وإلى مقرّ اتحاد الكتّاب الصينيين عشرة يوانات، وهكذا. وتسهم هذه الرسوم إسهاماً كبيراً وواضحا في ثراء خزينة الحكومة، وبخاصة إذا عرفنا أنّ عدد زوار هذه المعالم كبير جداً، وأنّ هؤلاء الزوار يأتون من أنحاء الصين كافة. ومن جميع أنحاء العالم أيضا .

****

  بيجينغ، عاصمة الصين،وهذا هو اسمها المعروف لدى العالم الغربي ، ونحن نسميها في العالم العربي بكين ، هذه  المدينة العجيبة التي تختلط فيها الأساطير بالوقائع والأحلام . وفي هذه المدينة  عملت أستاذا  في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين ، وهي أكبر الجامعات الصينية التي تدرس اللغات الأجنبية الكثيرة للطلاب الصينيين . وفي كلية اللغة العربية في هذه الجامعة ألقيت محاضرات لطلاب شعبة الدراسات العليا – الماجستير والدكتوراه ، وطلاب السنتين الثالثة  الرابعة ، درّست من خلالها نصوصا ودراسات أدبية في الشعر العربي الحديث والقصة القصيرة والمقالة والرواية والمسرح وتاريخ الأدب العربي . ولم تكن الحياة في بكين سهلة ، فبكين مدينة شاسعة جداً ، والجامعة التي أعمل بها خالية تماماً من العرب ، سواء أكانوا أساتذة أم طلاباً ، فجميع الطلاب العرب موجودون في جامعة اللغات والثقافة ، وجامعة العلوم الخاصة بالطيران ( ريخن)  ، وجامعة بكين ، والطعام الصيني مختلف تماماً عن الطعام العربي والأوربي ، وجميع مطاعم الصين لا تقدّم لروادها شوكة ولا سكيناً ، وكان عليّ في البداية أن أحمل معي شوكة وسكيناً ، وبقيت أحملهما كلما دخلت مطعماً ، إلى أن تعلمت استخدام العصوين الذين يبدو استخدامهما صعباً بالنسبة للأجنبي ، يضاف إلى ذلك،أيضا،  أن مطاعم الصين تقدم لحم الخنازير والكلاب والقطط والضفادع والثعابين والعقارب وغيرها في جميع وجباتها ، وأنواع اللحوم هذه هي التي يفضّلها الصيني على بقية الأنواع الأخرى . وكان عليّ وعندما أدخل أي مطعم - في البداية - أن أبرز لعاملة المطعم ورقة مدوّن عليها باللغة الصينية المعقدة جداً كان قد كتبها لي أحد طلابي في الجامعة : " أرجوكِ أريد وجبة خالية تماماً من لحم الخنازير والقطط والثعابين أريد لحم الدجاج والسمك فقط ". وعلى الرغم من الصعوبات التي يجدها الأجانب في الصين يبقى الرحيل إلى الصين مثيراً وممتعاً ، فالصين عالم غريب وأسطوري ، ومغاير لمعظم بلدان العالم وعواصمها وعاداتها وتقاليدها ، عالم مثير، مليء بالغرابة والتناقض والسحر والدهشة والجمال ، فبكين المدينة الثريّة ، البطرة العملاقة التي يقول الناس عنها إنها ثالث مدينة في العالم من حيث الزحام والحركة وعدد السكان والكبر (بعد نيويورك وطوكيو) غاصّة بالمشاكل ، فإلى جانب التقدم التقني والحضاري والعمراني الذي وصلت إليه يوجد الفقراء والشحاذون الذين يملؤون أرصفة الشوارع الراقية فيها ، ويوجد البيوت القصديرية الضيقة التي تفتقر إلى أبسط شروط العيش الكريم، وإلى جانب متاجر الألبسة الفخمة الفارهة التي تضاهي أكبر متاجر العالم ، يوجد دكاكين الأسواق الشعبيّة (البالة) الغاصّة بالفقراء وذوي الدخل المحدود . وإلى جانب المعاقل والمعالم العلميّة الكبرى التي تعلّم العلوم والمعارف الحديثة ، كجامعة الدراسات الأجنبية في بكين وجامعة بكين وجامعة (رين مين داشي) وغيرها من الجامعات ، يوجد المشعوذون الذين يقفون أمام أبواب هذه الجامعات ليقرؤوا ما تخفيه الأقدار والحظوظ ، من خلال قراءة ما تخفيه أكفّ الأيدي وتقاطيعها وبصماتها ، والغريب في الأمر أن الطلاب الصينيين الذين تربّوا تربية ماركسية يتوجهون إلى هؤلاء المشعوذين ليكشفوا لهم حظوظهم ومصائرهم . وفي معابد الإله بوذا في بكين تنحني نساء بكين إجلالا أمام بوذا ، طالبات منه أن يرزقهن غلاماً ، ويتقدّم إليه طلاب الثانوية العامة بالنذور علّه يمنحهم بركته ، وينجحون في الامتحانات النهائية . أمّا الرجال المهووسون بالسفر والترحال إلى أمريكا وأوربا ، فإنّهم أيضاً يذهبون إلى المعبد ويتضرّعون إلى بوذا علّه يمنحهم تأشيرة خروج من الصين .

وفي الأحياء الأرستقراطية الثريّة في بكين حيث ينتشر التجار الأجانب ورجال الأعمال الأثرياء ، تجد النساء ملاذاً لأحلامهنّ في الثراء واكتناز المال ، فينذرن أنفسهنّ خليلات ومرفِّهات ومدلِّكات لأجساد هؤلاء الرجال . وكلّ ذلك أمام مرأى رجال البوليس            .

إنّ الصين المعاصرة التي انتهجت سياسة الإصلاح والانفتاح نحو أمريكا والغرب الأوربي بعد وفاة الزعيم ماوتسي تونغ (1976م) بدأت في عهد سلفه (دنغ شياو بينغ) بالتخلي عن معظم مبادىء النظام الاشتراكي ، فباعت الشركات والمصانع الحكومية إلى القطاع الخاص ، وباعت منازل الدولة إلى الملاك الجدد . وودّعت الاقتصاد الاشتراكي منتهجة اقتصاد السوق وسياساته ، وهي الآن في عهد الرئيس الحالي تزداد قرباً من أمريكا ، وتقيم معها أوثق العلاقات والروابط السياسية والتجارية ، أمّا علاقاتها مع إسرائيل فهي وطيدة جداً ، إذ يسهم الخبراء الإسرائيليون في تطوير الترسانة العسكرية الصينية . والإعلام الإسرائيلي قوي ونشيط جداً بينما - وللأسف – نجد أن الإعلام العربي في الصين هزيل جداً ومحدود ، وغير فعّال ، وفي أحيان كثيرة ملغى تماماً .

 

 

 

تحوّل كبير

 

في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح ، التي انتهجتها الحكومة الصينية، شهد المجتمع الصيني تحولا كبيرا في المفاهيم والقيم والأخلاق، ففي الصين ومع هذه السياسة »صار كل شيء موجودا، أمّا في هونغ كونغ فصار كل شيء مباحا « ، على حدّ تعبير الصينيين المعاصرين, وإذا كان كلّ شيء موجوداً في الصين، فإن كلّ شيء مسموح به، ما عدا انتقاد الحكومة الصينية والتظاهر ضدّها. وكان علي حتى أفهم المجتمع الصيني بتركيبته الثقافية والسياسية والمعرفية، أن ألتقي بنخبة من المثقفين أحاورهم، ولم أنس التجوال الطويل في الشوارع والمتاجر والأحياء الشعبيّة الفقيرة، والأرستقراطية في آن، وأن أتحدث مع الناس والبائعين، بصحبة بعض طلابي وأصدقائي الصينيين الذين كانوا يترجمون لي ما يحلو لهم، ويتجاهلون ما هو كاشف لعيوب المجتمع الصيني  ، فالصينيون يتصفون بالحذر الشديد من الأجنبي. وقد ساعدني على فهم ما يدور في الصين المعاصرة كثير من المراجع والمقالات المكتوبة عن الصين، والمتوافرة في مكتبة كلية اللغة العربية

بعض أمراض الانفتاح

وفي ظلّ سياسة الإصلاح والانفتاح التي قادها زعيم الحزب الشيوعي السابق دنغ شياو بنغ، والتي أطاحت بأنصار الزعيم ماو تسي تونغ، وبالمقربين منه، من زعماء السلطة السياسية.  تأسست مفاهيم وقيم رأسمالية جديدة لم تكن سائدة في مجتمع الصين وعلاقاته في حقبة الزعيم ماو تسي تونغ.

 

            وفي ظل هذه السياسة  ظهرت الرشاوى والفساد والسرقات والمحسوبيات والعلاقات الشخصيّة والبيروقراطيّة الإدارية والعمولات ، وبدأت دوائر المجتمع الصيني  تغصّ بهذه الأمراض التي أخذت تنخر جسد المجتمع الصيني وروحه، وتفتته وتقسمه طبقياً، بحيث يزداد الفقراء فيه فقرا والأثرياء ثراء، واعتقد   كثير من الصينيين المعاصرين أنّ في هذه السياسة خلاصا اقتصادياً واجتماعيا وإنسانياً من مشاكلهم وأمراضهم السياسية و الاجتماعية، وأنّها ستحقق لهم أحلامهم في الثراء والرفاهية، التي لم تتحقق في حقبة الرئيس  ماو تسي تونغ.

            وأحبّ أن أشير إلى أنّه نظراً لما عانته الصين من الاستعمار الأجنبي الطويل،   ومارا فق هذا الاستعمار من ظلم للشعب الصيني، وقهره، واستغلال خيراته، قد تشبّعت نفوس الصينيين بحساسية شديدة ضدّ أي أجنبي يقيم على الأراضي الصينية، ويعمل في مؤسسات الصين. فبعد أن استولى ماو تسي تونغ على مقاليد السلطة في الصين، قامت السلطات الصينية بمصادرة أملاك الإقطاعيين وتوزيعها على أفراد الشعب، وأمّمت المصانع العائدة لطبقة الرأسماليين، وطردت جميع الأجانب المقيمين على الأراضي الصينية ـ باستثناءات جدّ محدودة، تشمل مجموعة من الأشخاص المساندين للثورة الصينية والفاعلين فيها. ولم يستطع الصينيون المعاصرون بعد أفول نجم ماو تسي تونغ وسياسته الاشتراكية، وسيادة سياسة الانفتاح، وعلاقات السوق، ورأس المال، أن يخفّفوا من هذه الحساسية التي سرعان ما تظهر على وجوههم وفي مواقفهم، وفي انفعالاتهم، وممارستهم اليومية، كلّما لاحت الفرصة لها، فالصينيون المعاصرون كتومون، وحذرون جداً من الأجنبي، سواء أكان أوروبيا أم أمريكياً أم عربياً، أم غير ذلك، ويحاولون دائماً أن يخفوا عنه ما يجري في الصين المعاصرة، على المستوى السياسي والاجتماعي والإنساني والثقافي. ونجد أنّ هذه الحساسية تنفجر في أحيان كثيرة لتصبح عنصرية ضدّ الأجنبي وبغضاً له. وإذا كان المثقفون الصينيون المعاصرون الكثيرون الذي زاروا العالم العربي، وعاشوا في مدنه، وتفاعلوا مع سكانه وعاداتهم وتقاليدهم، يكنون احتراماً لهذا العالم، ويصفون أهله بالكرم والوفاء ومساعدة الغرباء بإنسانية عالية، فإنّ قسماً كبيراً منهم لم يستطيعوا أن يتخلّصوا من حساسيتهم ضدّ الأجنبي، وظلّوا يتعاملون مع العربي زائر الصين بحذر وريبة وشكّ.

            إنّ الصيني، على الرغم من اتساع الصين، وشساعة أراضيها( 9.6 مليون كيلو متر مربع، أي أنّها من حيث المساحة في المركز الثالث في العالم بعد روسيا وكندا)، وعدد سكانها المذهل( بلغ عدد سكان الصين حتى نهاية عام 1998م، 1284.1 مليون نسمة، عدا سكان مقاطعة هونغ كونغ ومقاطعة تايوان، ومنطقة ماكاو،التي لم تدخل في هذه الإحصائيات، لأنّ هونغ كونغ كانت تابعة للإدارة البريطانية، وماكاو للبرتغال، أمّا تايوان فهي منفصلة عن الصين، ومتمردة على سياستها، وهي تحت حماية البوارج الأمريكية التي تحاصرها من أطرافها كاملة، وهذا العدد يشكّل 22٪ من سكان العالم)،  وعلى الرغم من هذه المساحة الشاسعة، وهذا العدد الضخم، فإنّ الصيني يحذر الأجنبي،ويضعه دائماً في دائرة الشكّ والحذر، وعدم الثقة بنواياه الخبيثة أو الطيبة، ويحاول دائماً أن يخفي عنه ما جرى ويجري في الصين، وينبّه الآخرين من الصينيين حتى يحذروا منه، ويعاملوه بريبة ، هو في أغلب الأحيان بريء منها،ويرى أنّ حريته يجب أن تكون محدودة وناقصة مقارنة بالصيني، لأنّه أجنبي؛ فبينما كنت أناقش أحد طلب