فكر وثقافة

الإحساس بالزمن د. محمد عبد الله القواسمة

112
09-01-2018
01:22 PM
imgTopic

الإحساس بالزمن

د. محمد عبد الله القواسمة


وقف الفلاسفة والمفكرون حائرين أمام الزمن؛ فلم يكن من السهل عليهم تعريفه. بدأت هذه الحيرة في فهم أبعاد الزمن: الماضي والحاضر والمستقبل لما فيها من غموض: فالماضي هو الذي لم يعد له وجود، ونستعيده بالذاكرة، ونستدل عليه بما يتركه من آثار، والمستقبل هو الذي لم يأت بعد، ولكنا نتوقع وجوده، ويبقى الحاضر وهو الزمن الماثل أمامنا، نتأمله ونعيش فيه الآن، ولكنه لا يبقى طويلًا.          
إزاء هذه الحيرة فإننا نجد أن ما طرحه القديس أوغسطين (430-345م) حول مفهوم الزمن في كتابه «الاعترافات» له ما يسوغه. لقد تساءل القديس عما هو الزمن، فلم يجد لسؤاله جوابًا. إنه يسلم بوجوده لكنه لا يستطيع إدراكه وتفسيره
لا شك أننا نحس بوجود الزمن إحساسًا ذاتيًا خاصًا، فيغدو انطلاقًا من هذا الإحساس زمنًا نفسيًا مرتبطًا بالإنسان، وهو نفسه الزمن الإنساني الذي تحدث عنه هانز ميرهوف في كتابه المعروف « الزمن في الأدب» الذي لا يوجد أي باحث في أي فن من فنون الأدب من الناحية الزمنية ــ كما أعلم ــ لم يستعن به. ويختلف عن الزمن الموضوعي الذي يستطيع الناس قياسه بالساعات والثواني والأيام وغيرها.    
يختلف الإحساس بالزمن من إنسان لآخر، حسب الظروف التي تحيط به، والأحوال التي يعايشها سواء أكانت سياسية، أم اقتصادية، أم اجتماعية. يبدو هذا الإحساس بالتفاوت الزمني في قول المتنبي، كما يورده ابن جني:    
نحن أدرى وقد سألنا بنجد    
أطويل طريقنا أم يطول      
فهو يعلم بحال الطريق من حيث القصر والطول، ولكنه يحس بطول الزمن، وثقله لأنه يتعجل أن يمر من شدة شوقه للوصول إلى حلب حيث محبوبه وصديقه سيف الدولة الحمداني.           
ولعل أبا فراس الحمداني في قوله وهو في سجنه:           
تطول بي الساعات وهي قصيرة       
وفي كل دهر لا يسرك طول
 
أوضح في الدلالة على التفاوت في الإحساس بالزمن بين إنسان وآخر تبعًا للموقف الذي هو فيه، فالإنسان يحس بمرور الزمن سريعًا إذا كان سعيدًا، ويحس بمروره بطيئًا وثقيلًا إذا كان حزينًا وكئيبًا، مثلما أحس به أبو فراس الحمداني، وهو في السجن، فكأن الساعة البيولوجية للإنسان يخل توازنها في الحالتين.    
لعل المحبين أكثر الناس إحساسًا بالزمن متى يكون طويلًا ومتى يكون قصيرًا، فها هو إمام العاشقين العباس بن الأحنف يقول
اليوم مثل العام حتى           
أرى وجهك والساعة كالشهر            
فالزمن يحس به طويلًا عند فراق من يحبها؛ اليوم يساوي عامًا، والساعة تعادل شهرًا. ومثل هذه المعاني نجدها في أبيات للشاعر أبي تمام، يقول:    
 
أعوام وصل كاد ينسى طولها          
ذكرُ النوى فكأنها أيام         
ثم انبرت أيامُ هجر أعقبت   
بِجَوىً أسىً فكأنها أعوام      
ثم انقضت تلك السنون وأهلها           
فكأنها وكأنهم أحلام           
فأعوام اللقاء قصيرة تستحيل أيامًا، ولكن أيام الهجر الطافحة بالحزن والشوق تتحول إلى أعوام، وفي النهاية يتحقق الانتصار للزمن الماضي على ما كان حاضرًا فتتلاشى الأشياء والناس كأنهم لم يكونوا. وقد ذكرت فيرجينيا وولف الأديبة الإنجليزية في وصف هذه الظاهرة بأن عقل الإنسان يعمل بغرابة في جسد الزمن؛ فيمكن مط الساعة حسب حالته النفسية إلى خمسين أو مئة مرة من طولها الدقائقي.      
هكذا نرى أن الإنسان مخلوق زمني، خبر الزمان من خلال تجربته؛ فقد عايشه ولم يستطع الوقوف في وجهه ومقاومته. لقد ترك الزمن أثره في جسده وفي أحاسيسه ومشاعره؛ فأحس تارة بوطأته كأنه جبل، وتارة أحس به خفيفًا كأنه طائر جميل. سيبقى هذا الإحساس المتقلب لدى الإنسان تجاه الزمن حتى ينتصر الزمان عليه، ويزيله عن الوجود، ليكون في انتظاره زمان آخر، زمان وراء الغيب .(الدستور)