فكر وثقافة

'عوالم منفردة' لينا كيلاني

88
14-04-2018
02:10 PM
imgTopic

"عوالم منفردة"

لينا كيلاني

لا شك أن التطور الحضاري يستدعي أنماط حياة مختلفة عن سابقاتها سواء أكنا من المؤيدين لها أم الرافضين، ومسار الصناعة، والاختراع بما يصل إليه من جديد يفرض بالتالي أساليب جديدة للتعامل مع مفردات الحياة اليومية.
ونحن رغم أننا نقبل بحماسة، وابتهاج على كل ما هو جديد من أجهزة وأدوات حديثة تعيننا على حياتنا، وتوفر لنا فسحة من أوقاتنا، وتخدمنا بلا حدود.. إلا أننا نرفض لسبب أو لآخر أن نتقبل فكرة تغير أنماط المعيشة تبعاً لذلك الجديد والمبتكر.‏

ولكن.. كيف سنوفق بين ما تحصلنا عليه من وسائل تكنولوجية جديدة وأسلوب حياتنا السابقة قبل أن يحصل كل هذا الذي حصل لنا؟‏

في مكان عام جلست وأنا أنظر لمن هم حولي فإذا بكل أحد مشغول بجهازه الصغير الذي يستحضر له العالم وكما يحب، ويرغب.. ولا حوار من نوع ما مباشر يقوم بين أفراد هذا المكان الواحد.. إذا فنحن قد حرمنا أنفسنا من متعة الحوار المباشر مع الآخر وجها لوجه.. وبالحوار تتفتح الأفكار.. وها نحن نحبس أنفسنا في صناديق مغلقة لا ترى تعابير الوجوه الحقيقية وانفعالاتها عن قرب، ولا تقرأ من الملامح ما تخفيه النفوس، وما يقع في ضمائر الناس.. فإذا بنا نقع فريسة لما يصدّره الآخر الينا، وعلى هواه، وكما يرغب هو لا نحن.. وقد نُخدع، وقد نفشل إذ لا نحسن قراءة الأفراد ما دام التواصل من خلال الشاشات لا من خلال الحياة.‏

كنت أحدّث نفسي وأنا أكتب هذا الذي يُقرأ الآن: ترى بماذا ينشغل هؤلاء؟ هل يقرؤون كتاباً، أم يتحدثون عبر الكلمات، أم يلعبون بواحدة من تلك الألعاب الإلكترونية العجيبة، أم يتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي.. أم إنهم يديرون أعمالهم، وأشغالهم من خلال أجهزتهم؟ وهل هناك غير ذلك؟‏

وأكثر ما حرضني لأكتب مقالي هذا هو فضولي لأن أعرف عم يبحث هؤلاء، وماذا يدور في هذه العلب المغلقة الصغيرة التي بين أيديهم بل هي علب مفتوحة على الدنيا بأسرها، وخياراتهم من خلالها بلا حدود.. لكن الفروقات واضحة بين هذا الذي يبحث عن كتب ليقرأ فيها، وعن ذاك الذي يبحث عن ألعاب إلكترونية ليلهو بها، أو ذاك الذي يرصد وقته ليصبح نجماً على شبكات التواصل الاجتماعي.. أمزجة متنوعة لكنها جميعاً تدور في غرف أشبه ما تكون بالأقفاص المغلقة على أصحابها.. ولكل عالمه الخاص الذي ينفرد به وهو ضمن المجموعة.‏

أجل.. لقد أصبحنا كلآلئ تختبئ داخل أصدافها.. وإذا ما حاولنا أن نخرج منها نحو المكان والفضاء الحقيقيين ربما خفنا، أو ارتهبنا لأننا تعودنا، وبشكل سريع، على أن نعيش داخل الأصداف.. ونحن نلبس وجوهاً غير وجوهنا، وجلوداً غير جلودنا، ونتحدث بلسان غير لساننا.. وربما تقمصنا حضوراً آخر إذا غيرنا شخصيتنا الحقيقية وتماهينا في أخرى وهمية، أو افتراضية على أنها نحن.. فماذا ربحنا.. وماذا خسرنا؟‏

أكاد أجزم أننا نهدر ساعات أعمارنا في النقر على أزرار الجهاز الصغير الذي أصبح لا يفارق أيدينا بما هو ليس مفيداً على الدوام.. وأتذكر أيام كانت تمتلئ فيها حقائبنا بالكتب إذا ما ذهبنا الى الإجازة، أو في طريق سفر طويلة.. أو كيف كنا نحمل كتاباً صغيراً بحجم الجيب إذا ما ذهبنا إلى عيادة طبيب، أو محطة قطار، أو سواهما وعلينا الانتظار لبعض الوقت.‏

وإذ تلفت انتباهي فجأة مكتبة صغيرة تقبع في زاوية المكان، ولم ألحظها من قبل يباغتني الفرح، ويدفعني لأن أنهض من مكاني، وأن أتوجه نحوها، وأمد يدي لألتقط واحداً من كتبها.. لكن المفاجأة أربكتني عندما اكتشفت أنها ليست أكثر من رسم متقن على الجدار يكاد يكون حقيقياً.. وعدت إلى مكاني خجلة أنظر لمن حولي بينما هم يرمقونني بتعجب، وأنتظر كما ينتظرون، ولم يكن أمامي سوى أن أحتمي مثلهم بجهازي الصغير الذي في يدي، وأن أدخل منفردة كما اللؤلؤة إلى واحدة من تلك الأصداف.‏