أسرة ومنوعات

مقتطف من قصة ' أمــل ' من المجموعة القصصية القصيرة ' تساقط الحروف -2014' عبد الهادي شلا

40
27-02-2018
03:49 PM
imgTopic

مقتطف من قصة " أمــل " من المجموعة القصصية القصيرة

" تساقط الحروف -2014"

عبد الهادي شلا

 

 

أمــَل

 

نسير بين العتمة ونور خافت تسلل من بين أشجار سور حديقة " الميريلاند " .. مجموعة من الأصدقاء.. نستمع إلى نوادر أكبرنا التي لا تخلو من الفكاهة والتعليقات الساخرة المحببة .. ضحكاتنا تخترق سكون ليل القاهرة الصيفي الساحر .. يقطعها .. صوت سيارة مسرعة .. و شاب يرمي تعليقا ساخرا..

رباه..

من أين انشقت الأرض عنها، وانبعثت ؟

..فجأة ..اخترقنا.. طفلة ما تجاوزت السادسة..

اتجهت نحوي من دونهم ..صوبت نظراتها بثقة..

اعترضت طريقي.. ابتعدت عنها يمنة تبعتني.... حاولت يسرة تبعتني ..

أفزعتني..لكنني أحببت إصرارها.. سايرتها و وقفت أمامها وجها لوجه ..

أنا وحدي مجردا إلا من قلب محب.. وهي بوجهها المتحدي .. البريء .. حدَّقتُ في عينيها ..

قرأت كلماتها التي ما نطقت..

كديجور الليل عيونها .. سوداء .. لامعة، واثقة مثل جندي مقاتل يرى علامات النصر..

حزن .. شقاء .. انكسار،قرأته قبل أن يرتد إلي طرفي.

الأصدقاء سبقوني وهم يتسامرون .. أخيرا انتبهوا أني لست معهم .. من بعيد يستعجلني صوت..

مازالت مصرة على اعتراض طريقي.

غريب أمرها..ماذا تريد؟ بل ماذا أريد ؟

يلوح في داخلي شعور غريب.. يستفزني .. يدفعني إلى الحوار الذي ما أعددت..

فاجأتني..

مدت يدها الصغيرة ..

بثقة وصوت منكسر لكنه ثابت.. جمع النقيضين

أعطني قرشا: .. قالت

جلبابها القصير الممزق غطاه قميص عسكري ( كاكي ) أخفى معظم جسدها الصغير..

بفضول.. اتجهتُ نحو عمود النور.. استدرجها

أريد أن أرى وجهها كاملا ..حزنها وشقاؤها ..بريق عينيها..سمراء دقيقة الملامح .. منكوش شعرها .. كمطربات الغرب في أغنيات البوب ..

واجَهتُها مباشرة وبسرعة ما تَوَقعَتها..قلت لها: ما اسمك؟

عيناها ..سهم اخترقني .

ما ردّت..

حاولت الفكاك من إصرارها..

تتبعني .. أعطني قرشا..

أتمهل في السير.. أستدرجها.. أضغط على مشاعرها الرقيقة المنكسرة ..

أعدت عليها .. سأعطيك لو أخبرتني ما هوإسمك..

زرعت نظرتها المتحدية في رصيف الشارع .. إهتزت الأرض تحت قدماي و أزداد فضولا وإصرارا على معرفة اسمها..

هيا ..عجل .. صوت أحد الأصدقاء يشق هدوء الليل القاهري الصيفي الساحر..

وأنا في حالة تحد لا يعرف عنها شيئا..

أسمعتها.. سأعطيك خمسة قروش لو أخبرتني ما اسمك..

بسهم عينيها الحزينتين صوبت نظراتها الجارحة.. رمقتني..

قَـَرأتُ أتساومني على قرش ؟!

اخترتك من دونهم.. أصدقائك.. نظراتها قالت..

ما احتواني حزن كهذا.. ما صادفت ، وما أثارني مثلها أبدا..

سأعطيك عشرة قروش.. أردفتُ ..

في سري كنت سأعطيها جنيها كاملا لو بقيت على عنادها كي أعرف اسمها....

أموت دون أن أعرف !!

 نظراتها تنتقلت بين موطئ قدميها وبين عيناي اللتان بالكاد تراهما في عتمة الشارع ..

تنظر في وجهي تارة وتنكسر عائدة إلى الأرض تارة أخرى..

اسمي.. اسمي..

هيا لقد أخرتنا.. صوت الأصدقاء من بعيد .. الوقت يمشي بطيئا.. قاتلا .. إنها ستنطق..

اسمي ..

قنبلة انفجرت..

اسمي : أمل.. نطقت !!!

آه كبيرة مزقت أحشائي وحطمت ضلوعي و بركان ألقى بحممه إليَّ في الليل الصيفي ليصهرني بين النور وبين العتمة..

أمل..إسمي .. أمل.

أهكذا الأمل في القاهرة..التي لملمت جراحها بالأمس ولبست ثوب حزيران الأسود.. الأمل يتسول.. جرح من جرح ما جف .

بالأمس كانت النكسة.. وكان حزيران حزينا مهزوماً، واليوم الأمل .. يتسول على رصيف حديقة "الميريلاند ".

الأمل..هو الذي حقق للإنسانية أعمالها الرفيعة.. يتسول!!

في يدها الصغيرة الممتدة .. أفرغت كل ما في جيبي .. ونظراتي المتعبة تتبعها.. تختفي في عتمة السور لتلقي بجسدها الصغير في سواد ثوب أمها..

بخطوات سريعة لحقت بالأصدقاء ..و جسد مثقل